إن وجود الموريسك الواضح في القارة الأمريكية كان له صدى في كوبا ؛ ففي عام 1593 تم تعميد رجل موريسكي ، بربري الأصل ، في خورية هافانا الكبرى، اتخذ لنفسه اسم "خوان ديلا كروس".تلك الطقوس الدينية وغيرها من التي مارسها الموريسك الإسبان أو الأفارقة ، كان يقيمها كبار رجال الجزيرة المستعمرون. لقد وصل مدينة هافانا في عام 1596 ، وذلك حسب أبحاث الدكتور سيزار غارسيا ديل بينو ، بضعة عشرات من العبيد المسلمين ، من بينهم مجموعة يعود اصلها إلى ممالك المغرب وفاس وتونس وطرميسين إضافة إلى اثنين من الموريسك.
تلك الآثار الوثائقية تسمح لنا بأن نصف المرحلة الأولى من تأثير العرب في كوبا بأنه إسباني - موريسكي وموريسكي - شمال إفريقي أتى به العبيد وأشخاص أحرار انقلبوا إلى الكاثوليكية. أحد مظاهر هذا التأثير نلاحظه في بصمات الفن المعماري ، إذ أنه خلال القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر تميز الفن المعماري في هافانا وريميديوس وسانتياغو دي كوبا وغيرها من المدن بالطراز المدجن ، كإرث هام من مدرسة إشبيليا الموريسكية في التشييد.
إن الطراز المدجن ملحوظ في المباني الدينية والمدنية الواقعة في الجزء التاريخي من مدينة هافانا ( كنيسة الروح القدس ، ودار الحرف رقم 12 ، ودار الكومت تاكون رقم 4 ) وفي مدينة ريميديوس ( في كنيسة المدينة الكبيرة )
لقد ترك الإستعمار الإسباني في كوبا بصمات عربية أخرى منها الآثار اللغوية في اللغة الإسبانية بآلاف من المفردات وصلتها من اللغة العربية ، و كذلك في بعض العبارات اللغوية الكوبية ، واستخدام أنواع كثيرة من البهارات من أصل موريسكي في الأكلات المحلية والكثير من النباتات العطرية في الحدائق عندنا.
بعض التأثيرات غير المباشرة من الثقافة العربية الإسلامية وصلتنا عبر العبيد من مختلف التسميات والمجموعات العرقية الإسلامية من غربي إفريقيا . إنهم أتوا إلينا بتحية "السلام عليكم" و بعادات أخرى مثل ارتداء اللباس الأبيض واستخدام النساء للعمامة وغيرها من العادات الإسلامية التي تبنتها مختلف الأنظمة الدينية الإفريقية الكوبية.
إن اللحظة التاريخية الكبرى من وجود العرب في الأرض الكوبية أتت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية النصف الأول من القرن العشرين وذلك بمجيء اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين وبدرجة اقل المصريين والليبيين والجزائريين واليمنيين. يبدو أن أول ممثل عن هذه الموجة كان يوسف جبور الذي وصل كوبا في العام 1870 . حيث تبين إحصائيات الهجرة أن ما بين 1906 و 1913 كان 30 بالمائة من العرب الذين وصلوا إلى كوبا ، قد جاؤا مباشرة مما يسمى تركيا الآسيوية ومن بلدان أوروبية وأمريكية أخرى.
إن أكبر نسبة مئوية أتى بها المهاجرون اللبنانيون الذين هاجروا عن أراضيهم بسبب الأزمة الاقتصادية العميقة التي أفلست المنتجين المحليين ، وبسبب التناقضات مع الإمبراطورية العثمانية التي ولدت استياء المجموعات المسيحية ، خاصة المارونية منهم . أما الفلسطينيون فهاجروا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى بشكل أساسي . وتشير الإحصائيات إلى أنه ما بعد عامي 1920 و 1931 دخل كوبا ما مجموعه 9337 مواطن عربي من شرقي البحر الأبيض المتوسط .
منذ بداية وصولهم البلد ظهرت مشكلة تسمية المهاجرين العرب العامة الذين سجلوا في البداية ك " أتراك " بغض النظر عن انتمائهم العرقي الحقيقي . وبعد هزيمة الأتراك سموا بـ " السوريين ".
لقد فضلوا الاستقرار في المناطق الحضرية والتجارية من الجزيرة و في القرى المتطورة في صناعة السكر وتربية المواشي . وكانت المناطق السكنية الأكثر أهمية لهم هي مدينتا هافانا وسنتياغو دي كوبا وهما أهم الموانئ لوصول الناطقين بالعربية إلى الجزيرة . إضافة إلى المنطقة الوسطية لمدينة هافانا ( ستتو هافانا الحالية ) و الجزء التاريخي لها ، أقام العرب في الأحياء التالية : مارياناو ، سنتا أماليا ، حي خوانيلو ، ريغلا وقرى محافظة هافانا الحالية ( غوينيس و بيخوكال و كيفيكان و باوتا ) . أما في المحافظات الشرقية ، فكانت المناطق المفضلة عندهم ، إضافة إلى مدينة سنتياغو دي كوبا ، مدينة غوانتانامو ، وكويتو ، ومنسانيجو ، وأولغين ، ولاس طوناس .
أما في كماغويه ، فقد استقروا في غوايمارو ، وميناس ، ومورون ، لاسولا ، وإسميرالدا ، وسنتا كروز ، وسيغو دي أفيلا . في بقية أجزاء البلد كانت هناك تجمعات في سنتا كلارا ، وكبايغوان ، وساوا لغراندي ، ومتانساس ، وكرديناس ، وبينار ديل ريو .
إن بيع البضائع بالتجول ، المرتبط بالتعبير المشهور " أشتري الذهب القديم وأبيعه "، وتجارة الأقمشة بالمفرق ، خاصة الملبوسات والخردوات والمجوهرات ، ومحال بيع الأقمشة ومخازن الاستيراد شكلت القطاعات الأساسية التي توظف فيها العرب في كوبا .وكان لمحلات الخياطة للرجال والمطاعم التي تقدم فيها الأطباق التقليدية من الأكلات الشرقية أهمية أيضا . إن الجيل الأول من المنحدرين من أصل عربي برز ولا يزال يبرز في مجال العلوم الطبية وأوجه مهنية أخرى .
لقد تميزت كتلة المهاجرين العرب بالتنوع الطائفي الخاص بالمنطقة : مسيحيون موارنة ، وأرثوذكس ، ومالكيون ، وآشوريون كالديون ، وآشوريون نصتوريانيون ، ولاتينيون ، ومسلمون سنة وشيعة ودروز . وأكثرهم نشاطا دينيا كانوا الموارنة الذين كان لهم أربعة خوريون موارنة في مدينة هافانا يقيمون القداس باللغة العربية في الخوريات الموجودة في العاصمة : مار يهوذا ، ومار نقولاس ، وخورية يسوع ومريم ويوسف ، وخورية المسيح الحامي للمسافرين . أيضا أقام الخوريون الموارنة طقوس الزواج والتعميد والطقوس الخاصة بموتى الجالية المسيحية العربية في كوبا .
التجمع الاجتماعي للمهاجرين كان في بعض الحالات على مستوى الجنسيات ، ومالوا تاريخيا إلى توحيد الجنسيات الثلاثة الأكثر عدداً . أن معظم الجمعيات العرقية العربية - التي يبلغ عددها على مر الزمان اكثر من 30 - كانت خيرية أو ترفيهية ، وفي حالات استثنائية فقط كان لها مرامي سياسية . لقد تركز الجزء الأكبر منها فيما سمي بـ "حارة العرب في هافانا" التي امتدت من شارع "مونتي" كشارع رئيسي لها إلى غيرها من الشوارع مثل شارع مار نقولاس ، وشارع كوراليس ، وأنتون ريسيو ، وشارع فيغوراس . لقد تجمعوا أيضا في حارة "تيفولي" في مدينة سنتياغو دي كوبا .
خلال العقود غير القليلة لاستقرارهم في كوبا ، ترك العرب آثارهم في مختلف مجالات الحياة السياسية والثقافية للجزيرة ، اكثر من اثني عشر منهم انضموا بنشاط إلى الحروب الاستقلالية وترفعوا إلى رتب عسكرية مختلفة ؛ كما انه خلال النضالات الثورية في المدن ضد الاستعمار الجديد، سجلت أسماء الكثير من المنحدرين منهم في قائمة شهداء الوطن . أما العلماء الناطقون باللغة العربية فقد قاموا بإنجازات لن تمحى من تاريخ الطب وفروعه ؛ والأمر كذلك في مجال الثقافة ، حيث برزت إنجازاتهم في الموسيقى والفنون التشكيلية والشعر ، دون أن ننسى هؤلاء الذين برزوا في المحاماة وتعليم الفلسفة واكتسبوا شهرة على المستوى العالمي .
إن الكوبي المنحدر من اصل عربي ، لهو نتيجة عرقية وراثية لشكلين من الوحدة : الوحدة الداخلية ، أي ما بين أم وأب عربيين ، والوحدة ما بين عرقيات مختلفة ، أي من أب أو أم عربية فقط ، حيث كان للطرف الكوبي وزن هام . إن ارض مسقط رأسه وتربيته ووعيه الذاتي وهويته وتطوره النفسي الاجتماعي يجعله يتصرف ككوبي ، لكن العديد من العادات والتقاليد من وطن أجداده والتي انتقلت من جيل إلى جيل ، قد تبقى عندهم كممارسات دائمة . هكذا احتفظوا في بيوتهم بأكلات شرقية تقليدية ويحملون في أعماقهم اثرين لا يمحيان من عرقيتهم الماضية : الملامح الجسمانية والألقاب التي ترمز إلى أسماء مجموعات عائلات في تلك المجتمعات الأبوية .
في الوقت الراهن يتجمع الوافدون الشرقيون والمنحدرون منهم في الجزيرة في الاتحاد العربي في كوبا