|
يروى "
تشي " غيفارا في كتابه " ذكرايات الحرب الثورية " فصولا عن
الاحداث التي رافقت رحلة النضال الثوري و مهدت لانتصار
الكاستروية في كوبا .
ولعل
من ابرز ما في الكتاب ، وما في الذكريات ، قصة الفشل الاول
وقصة الانتصار الاول.
في 26
تشرين الثاني 1956 ، اقلع من المكسيك ياخت " غراما " في
طريقه الى كوبا ، حاملا على ظهره فيديل كاسترو وشقيقه
راوول وغيفارا ، بالاضافة الى 81 ثائرا" .
لم يكد الثوار ينزلون الى شاطئ
كوبا ، حتى داهمتهم قوات باتسيتا ، فلم ينج منهم سوى 12
رجلا ، كان بينهم فيديل وراوول وغيفارا . ولجأوا الى جبال
" سييرا مايسترا " ليبدأوا المسيرة الطويلة نحو الحكم في
كوبا " .
وفي تلك
الفترة ، اظهر غيفارا براعة ونشاطا لا حدود لهما , كان
يشترك في تجنيد الرجال الجدد ، ويتولى تدريبهم على السلاح
، وتلقينهم اصول واساليب وتكتيك حرب العصابات ، ويقرأ لهم
كتب الادب وسير الثورات ورجال التاريخ العظماء .
وكان
غيفارا يؤمن بأن كتب الادب وسير الابطال ضرورية للثوار
بقدر ضرورة البندقية والمدفع .
وكان يؤمن
كل ما يطلبه الرجال والرفاق : اقام مصنعا للقنابل اليدوية
، انشأ فرنا لصنع الخبز ، نظم مدرسة لتعليم الفلاحين
القارءة والكتابة ، وكانوا يلجأون اليه حين يحتاجون الى
نصيحة ما ، ويختلفون في أمر من الامور .
ويروي
غيفارا في كتابه " ذكرايات الحرب الثورية " قصة المعركة
الاولى التي هزم فيها الثوار ، وهي معركة " الغيريادي بيو
" .
يقول
غيفارا :
" في كانون
الثاني 1956 ، بعد تعرض ياخت " غراما " للهجوم ومقتل معظم
الرجال ، ولجوئنا الى الجبال " سييرا مايسترا " ، اكتشفت
قوات باتيستا المكان الذي نختبئ فيه ، وهو وهو مكان يعرف
باسم " اليغريادي بيو " .
" كنا
مرهقين بعد رحلة طويلة مؤلمة ، وان شئت الحقيقة ، فقد كانت
رحلة مؤلمة اكثر منها طويلة ، مشينا ساعات لا تحصى عبر
البرك والمستنقعات . وكنا نرتدي احذية جديدة ، وكنا جميعا
قد اصبحنا مصابين ببثور والتهابات في اقدامنا .
ولم تكن
احذيتنا الجديدة والنباتات الفطرية هي عدونا الوحيد على
اية حال .
وكان كل ما
بقي من معداتنا الحربية هو بنادقنا ، واحزمة الطلقات وكمية
صغيرة من الذخيرة المبللة . و كانت مؤونتنا الطبية قد
اختفت ، وتركنا " جربندياتنا " في المستنقعات و كنا قد
قضينا الليلة السابقة في احد حقول القصب التابعة لمصنع
نيكويرو للسكر .
استطعنا
ان نهدئ من حدة جوعنا وعطشنا بمص اعواد القصب . ولم يكن
الحراس الذين يبحثون عنا في حاجة الى اي أثر ليتعقبوا
خطواتنا على اية حال .
فقد كان
الرجل الذي عمل مرشدا لنا قد خاننا وكشف امرنا كما اكتشفنا
فيما بعد .
لقد
تركناه يذهب وهذا هو خطأ ارتكبناه عدة مرات في كفاحنا
الطويل حتى تعلمنا انه لا ينبغي عندما نكون في مناطق خطرة
، ان نثق في اشخاص مدنيين نجهل سجلهم الشخصي .
عندما طلع
علينا صباح يوم 5 كانون الاول كنا لا نكاد نقوى على السير
و على شفا الانهيار ، حتى اننا كنا نسير مسافة قصيرة ، ثم
نتلمس فتررة طويلة من الراحة .
وصدرت
الاوامر بأن نتوقف عند احد حقول القصب في غابة قريبة من
الادغال الكثيفة . ونام معظمنا طوال ساعات الصباح .
وعند
الظهر بدأنا نلاحظ علامات نشاط غير عادي . لقد بدأت طائرات
السلاح الجوي من طراز " بايبر " مع نوع اخر الطائرات
الصغيرة ، الى جانب طائرة خاصة ، تحوم فوق المكان الذي
نختبئ فيه . ومضى رجالنا يقطعون ويقصون اعواد القصب دون ان
يدركوا ان رؤيتهم كانت واصحة تماما من هذه الطائرات التي
كانت عندئذ تحوم ببطء وعلى ارتفاع منخفض .
كنت انا
طبيب القوات وكأن من واجبي ان اعالج الاقدام المصابة
بالبثور . وما زلت اتذكر آخر مريض لي ذلك الصباح ، كان
اسمه " همبرتو لاموثي " وكان ذلك اليوم هو آخر يوم له في
الحياة . وما زلت اذكر كيف يبدو متعبا ومرهقا وهو يمشي من
المركز الذي اقمته للاسعافات الاولية الى موقعه ، وكان
لايزال ممسكا حذائه في يده .
وكنت انا
والرفيق <<الميدا مونتاني>> نستند الى شجرة
ونتناول حصتنا الهزيلة من الطعام – نصف قطعة سجق وقطعتين
من الخبز الجاف – عندما حطمت الصمت طلقة نارية واعقبها
مباشرة وابل من الطلقات نزل على قواتنا .
ولم تكن
بندقيتي من اجود الانواع ، وكنت انا قد طلبت هذه البندقية
عمدا بسبب سوء حالتي الصحية نتيجة هجمات الربو الذي ازعجني
طوال الرحلة في البحر ، ولم أكن اريد أن أتحمل مسؤولية
فقدان سلاح جيد . ولا أكاد أستطيع ان اتذكر ما حدث بعد
الموجة الاولى من الطلقات النارية .
تقدم
مني الميدا يطلب اوامر ، ولكن لم يكن هناك من يصدر الاوامر
، وقيل لي فيما بعد ان كاسترو كان يحاول عبثا تجميع الرجال
في حقل قصب السكرالمجاور الذي يمكن الوصول اليه ببساطة بعد
عبور الطريق . وكان الهجوم المفاجئ بالضافة الى عنف
النيران ، اكبر من طاقتنا .
|