لم يسبق أبداً أن طُبِّق الحصار بكل السُّخط والوحشية اللذين
طُبِّق بهما خلال الأشهر الثمانية عشرة الأخيرة. ولم يسبق له أبداً أن بلغ كل هذه
القسوة وانعدام الرحمة في مضايقة حكومة الولايات المتحدة لاقتصاد الكوبيين وحقهم
بحياة كريمة وعفيفة.
منذ أن وقّع رئيس الولايات المتحدة خطته الجديدة لضم كوبا، وذلك
في السادس من أيار/مايو 2004، حدث تصعيد هستيري لم يسبق له مثيل في تطبيق إجراءات
جديدة وعدوانية، بما فيها التهديد باستخدام القوة العسكرية ضد كوبا وملاحقة مواطنين
وشركات ليس من كوبا فقط، وإنما كذلك من الولايات المتحدة ومن بقية العالم.
وهكذا، تم في شهر أيار/مايو 2004 فرض غرامة بقيمة 100 مليون
دولار على بنك "يو بي أس" (UBS)
السويسري، وهي أعلى غرامة يتم فرضها أبداً على هيئة مصرفية بسبب انتهاكها المزعوم
للعقوبات المفروضة على كوبا.
في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2004، وفي ما شكل ذروة الهذيان
والسذاجة، تم تشديد ما تسمّى "نظم الإشراف على الممتلكات الكوبية" وتقرر بأن
"الكوبيين أو المقيمين الدائمين في الولايات المتحدة لا يستطيعون أن يشتروا بطريقة
مشروعة في بلد آخر منتجات كوبية المنشأ، بما في ذلك التبغ والكحول، ولا حتى
لاستخدامهم الشخصي في الخارج". يمكن للعقوبات الجنائية التي تُتَّخذ بحق منتهكي هذه
النظم أن تصل إلى ما قيمته مليون دولار على شكل غرامات على الشركات و250 ألف دولار
وحتى عشر سنوات من السجن على الأفراد. إنما ستكون المرة الأولى في التاريخ التي
سيكون فيها ممنوعاً على المواطن الأمريكي تدخين سيجار كوبي واحد أو شراء قارورة من
روم "هافانا كلوب" (Havana Club)
الذي لا يضاهى، حتى لو فعل ذلك كجزء من رحلة سياحية يجريها لبلد آخر. في مجال
الجنون، يجب إدراج هذا الحظر الدراكوني في موسوعة "غينس" للأرقام القياسية.
في عدوان لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات المالية الدولية،
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2004 تشكيل
"مجموعة ملاحقة الممتلكات الكوبية". إن مجرّد وجود مجموعة تحمل هذا الاسم يجب أن
يبعث الخجل عند رئيس البلد الأكثر جبروتاً في العالم.
في شهر كانون الثاني/يناير 2005 أعطى "مكتب الإشراف على
الممتلكات الأجنبية" تفسيراً جديداً للنظم الموضوعة للسفر، على نحو لم يعد يُسمح
فيه للمواطنين الأمريكيين المشاركة في اجتماعات تعقد في كوبا برعاية أو تنظيم
وكالات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة ومقرها الولايات المتحدة إلا بعد الحصول على
ترخيص مسبق من الحكومة الأمريكية.
في انتهاك صريح ووقح للنظم الدولية حول الماركات وحقوق
الامتياز، تم في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2005 تنفيذ مناورة قانونية
هدفها اغتصاب الحق بماركة "كوهيبا" (Cohiba)
من كوبا، وهي الماركة الأوسع شهرة بين أنواع السيجار الكوبي.
في الثالث عشر من نيسان/أبريل 2005 تم تنفيذ الحكم بالذنب على
المواطن الأمريكي ستيفان برودي، الرئيس السابق لشركة "PUROLITE"،
بتهمة بيعه لكوبا ريتنجات يونية لتنقية المياه في الشبكة الكوبية.
في التاسع والعشرين من نيسان/أبريل 2005 أوعز الرئيس بوش لوزارة
المالية بتسليم 198 ألف دولار من الأرصدة الكوبية المجمدة بطريقة غير مشروعة في
مصارف أمريكية من أجل تنفيذ دعوى قضائية مختلقة ضد كوبا رفعتها مجموعات العنف
والتطرف التي تنظم أعمالاً إرهابية ضد كوبا انطلاقاً من ميامي بإفلات كامل من
العقاب.
في شهر نيسان/أبريل 2005 تم منع دخول الإداريين الجدد لشركة
"شيرّيت" (Sherritt)
الكندية وعائلاتهم إلى الولايات المتحدة وذلك تطبيقاً لقانون هيلمز-بيرتون.
في شهر نيسان/أبريل أيضاً من عام 2005 شدّد "مكتب الإشراف على
الممتلكات الكوبية" ملاحقته حتى للمنظمات الدينية التي لديها تراخيص بالسفر إلى
كوبا لهذه الغايات.
خلال عام 2004 فرضت حكومة الولايات المتحدة غرامات على 316
مواطن ومقيم في الولايات المتحدة بسبب انتهاكهم لنظم الحصار. وفي شهر تشرين
الأول/أكتوبر 2005 كان عدد هذه الغرامات يصل إلى 537 غرامة.
في عام 2004 تم فرض غرامات على ما مجموعه 77 شركة ومؤسسة مصرفية
ومنظمة غير حكومية أمريكية ومن بلدان مختلفة بسبب انتهاكها للحصار المفروض على
كوبا؛ إحدى عشر منها هي شركات أجنبية أو متفرّعة عن شركات أمريكية ومقرها في
المكسيك وكندا وبنما وإيطاليا والمملكة المتحدة وأوروغواي وجزر بهاما. بينما تمت
معاقبة سبع شركات أخرى، ومن بينها "إيبيريا" (IBERIA)
و"أليتايا" (ALITALIA)
"إير جمايكا" (AIR JAMAICA)
و"دايوو" (DAEWOO) لأن فروعها في
الولايات المتحدة انتهكت قوانين الحصار، حسبما تدعي الحكومة الأمريكية.
زيارات المواطنين الأمريكيين لكوبا بين شهري كانون الثاني/يناير
وتشرين الأول/أكتوبر 2005 انخفضت بنسبة 55 بالمائة بالمقارنة مع ذات الفترة من عام
2003، قبل اتخاذ العقوبات الجديدة التي أقرها الرئيس بوش. في حال الكوبيين المقيمين
في الولايات المتحدة بلغت نسبة انخفاض عدد الذين يسافرون بشكل مباشر 49 بالمائة.
تحوّل التبادل الثقافي والرياضي والأكاديمي والطلابي والعلمي،
وكذلك العلاقات بين الكوبيين الكوبين الذي يعيشون على جانبي مضيق فلوريدا، إلى هدف
خاص لاعتداءات هذه الإدارة على كوبا. بل وأن الأمر وصل إلى منع سفر الأخوال
والأعمام وأبنائهم إلى كوبا بحجة أنهم ليسوا جزءاً من العائلة.
لقد كلّف الحصار الشعب الكوبي خلال السنوات السبع وأربعين هذه
أكثر من 82 ألف مليون دولار. ليس هناك من نشاط اقتصادي أو اجتماعي لا يعاني نتائج
هذا الحصار. وليس هناك من حق إنساني للكوبيين لم يتعرض لعدوان هذا الحصار.
بموجب الحصار، لا تستطيع كوبا تصدير أي منتج إلى الولايات
المتحدة. نظراً لقصر المسافة الجغرافية بين البلدين،
كان بوسع كوبا أن تصدّر سنوياً إلى الولايات المتحدة أكثر من ثلاثين ألف طن من
النيكل أو مليون طن من السكر بسعر يبلغ ثلاثة أضعاف السعر الذي تتلقاه كوبا اليوم.
كما كان بوسعها أن تبيع بما قيمته 180 مليون دولار سنوياً دواء "أتيروميكسول" (Ateromixol)
لو وصل حجم مبيعاته إلى واحد بالمائة من حجم مبيعات الأدوية المخفِّضة للكولسترول
في الولايات المتحدة. استناداً إلى ما ذكره ناشرو مجلة "Harvard
Internacional Review" فإن هذا هو أفضل دواء متوفر ضد
الكولسترول. بالإضافة لذلك، لكانت كوبا قد صدّرت إلى الولايات المتحدة في العام
الماضي ما قيمته نحو 30 مليون دولار من روم "هافانا كلوب" وأكثر من مائة مليون
دولار من السيجار.
ولا تستطيع كوبا أيضاً استيراد سلع أخرى من الولايات المتحدة
غير المنتجات الزراعية، وهذه الأخيرة بقيود كبيرة ومتجددة.
لا تستطيع كوبا استقبال سائحين من الولايات المتحدة.
لو أنها تمكنت في عام 2004 من استقبال 15 بالمائة فقط من بين الأحد عشر مليون سائح
أمريكي الذين زاروا حوض الكاريبي، لكانت قد حصلت في تلك السنة على أكثر من ألف
مليون دولار.
تحدِّد دراسات عديدة نُشرت في الولايات المتحدة بما يتراوح بين
اثنين وأربعة ملايين عدد السائحين الأمريكيين الذين كان بوسع كوبا استقبالهم لو تم
رفع الحصار.
وبسبب الحصار لا تستطيع كوبا أيضاً استخدام الدولار في
عملياتها المالية مع الخارج، ولا الحصول على القروض، ولا القيام بعمليات مع مؤسسات
مالية أمريكية وفروعها وحتى مؤسسات إقليمية ودولية.
كوبا هي البلد الوحيد في أمريكا اللاتينية والكاريبي الذي لم يتلقَّ أبداً خلال 47
سنة قرضاً من البنك العالمي ولا من البنك الأمريكي للتنمية.
لو كان الحصار شأناً ثنائياً فقط بين كوبا والولايات المتحدة
لكان خطيراً جداً بالنسبة لبلدنا الصغير. ولكنه أكثر من ذلك بكثير. فالحصار هو حرب
اقتصادية يتم تطبيقها على الصعيد العالمي بغيرة لا تضاهى.
بالإضافة لذلك، الحصار هو تطبيق لقوانين أمريكية خارج حدود
الولايات المتحدة ضد البلدان التي تمثّلونها حضراتكم هنا، يا أصحاب السعادة،
وبالتالي فهو انتهاك خطير للقانون الدولي.
تجد كوبا اليوم نفسها أمام عقبتين من واجبها تذليلهما: العجرفة
الإمبراطورية العاجزة عند الرئيس بوش، التي قادته إلى حدود لم تقد لها أحداً غيره
في هذا الجنون، والعولمة المتزايدة للاقتصاد العالمي.
لماذا؟ لأن الولايات المتحدة تسيطر على حوالي نصف الشركات
متعددة الجنسيات على وجه الأرض، بما فيها ثمانٍ من الشركات العشر الرئيسية.
والولايات المتحدة أيضاً هي صاحبة ربع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتستورد 22
بالمائة من السلع على المستوى العالمي.
الولايات المتحدة هي صاحبة إحدى عشر شركات من بين الشركات
الأربعة عشر في قطاع المعلوماتية والاتصالات، وتمتص حوالي 80 بالمائة من التجارة
الإلكترونية العالمية. من الشركات الصيدلية العشر التي تقوم بحوالي نصف المبيعات
العالمية من الأدوية، خمس هي أمريكية. وبعض من هذه المنتجات هو فريد من نوعه.
هذا هو السبب الذي يجعل استثمارات بلدان أخرى في الولايات
المتحدة واستثمارات الشركات الأمريكية في الخارج تقلّص المجال الاقتصادي الخارجي
لكوبا. كل عملية انصهار أو شراء بين الشركات يطرح على بلدنا الصغير تحدي العثور على
مزوّد جديد أو سوق جديد لمنتجاتنا، وهو تحدّ لا يمكن مواجهته في كثير من الأحيان.
ولنستذكر، يا أصحاب السعادة، نظم الحصار المطبّقة خارج حدود
البلد الذي يفرضه:
بموجب قانون توريسيللي تُمنع الشركات المتفرعة عن شركات
أمريكية في بلدان أخرى من التجارة مع كوبا.
جزء من تكنولوجيا ومعدات ومستلزمات مراكز البحث البيوتكنولوجي
الكوبية، التي أصبحت تنتج حتى حقناً علاجية ضد السرطان، كان يأتي من شركة
"فارماسيا" (Pharmacia)
السويدية، التي اشترتها شركة "أميرشام" (Amersham)
البريطانية، ومن قامت شركة "جنرال إلكتريك" (General
Electric) الأمريكية بشراء هذه الأخيرة، فأعطت مهلة
مدتها أسبوعاً واحداً لإلغاء كل اتصال مع كوبا.
حين تم شراء شركة "أورو روخو" (Oro
Rojo) البرازيلية من قبل شركة أمريكية، ألغت هذه
مبيعاتها من اللحوم المعلّبة لكوبا، والتي كانت تخصَّص لمرضى الآيدز، وذلك كجزء من
مشروع مع "الصندوق العالمي لمكافحة الآيدز والملاريا وداء السل".
لم تكن أسلحة دمار شامل، يا أصحاب السعادة؛ لم تكن مخدّرات، ولم
تكن منتجات محظورة؛ وإنما هي لحوم من أجل تزويدها لمرضى الآيدز، كجزء من برنامج
للأمم المتحدة. تتم ملاحقة هذه المبيعات ومنعها، وتتم ملاحقة الشركات التي تحاول
إقامة علاقة تجارية طبيعية مع كوبا؛ فيتم انتهاك حقٍّ لبلدنا وحقٍّ للشركات ولرجال
الأعمال من بلدان أخرى.
أوقفت شركة "شيرون كوربوريشين" (Chiron
Corporation) مبيعاتها لكوبا بعدما فُرضت عليها غرامة في
العام الماضي بقيمة 168 ألفاً و500 دولار لأن أحد فروعها الأوروبية صدّر لكوبا
حقنتي أطفال. ليس أسلحة نووية، وليس صواريخ إستراتيجية، وإنما حقنتين للأطفال!
في السابع من شباط/فبراير 2005 ألغى مصرف " فيرست كاريبيان
إنترناشونال بنك" (First Caribbean
International Bank)، بهاما، عملياته مع كوبا تحت تهديد
حكومة الولايات المتحدة. وأشار بنك "باركليس" (Barclays)
البريطاني مؤخراً إلى أنه سيحذو حذوها أمام تخوفه من عقوبات أمريكية.
شركة "فيكو" (VECO)
الكندية، وفيها مشاركة لرؤوس أموال أمريكية، اضطرت لإلغاء مشاركتها المزمعة في
تطوير قدرات في كوبا لتخزين المحروقات.
شركة "سابروي" (Sabroe)
الدنماركية اشترتها شركة "يورك" (York)
الأمريكية، وفور ذلك ألغت عملية كانت تجري لبيع كوبا ضواغط تبريد ضرورية للبرنامج
الكوبي لتزويد جميع الأطفال بين السابعة والثالثة عشرة من العمر بلبن الصويا.
والحصار يمنع شركات من بلدان أخرى أيضاً من بيع كوبا منتجات
أو خدمات تم فيها استخدام تكنولوجيا أمريكية أو تحتوي على منتجات أمريكية الصنع
تزيد نسبتها عن العشرة بالمائة.
ولهذا تبقي حكومة الولايات المتحدة منذ عام 2004 على منعها
لشركة "إنترفيت" (INTERVET)
الهولندية من بيع كوبا حقناً للطيور، مدعية أنها تحتوي على مضاد جيني منتَج في
الولايات المتحدة.
شركة "فافي ش.م." (VAFE
S.A) المكسيكية اضطرت لإلغاء بيعها لكوبا مادة ضرورية
لإنتاج طناجر الضغط المنزلية، لأنها تحتوي على مادة أولية أمريكية.
في شهر أيلول/سبتمبر 200، ألغت شركة الطيران السويدية "نوفير" (NOVAIR)
عقداً مع شركة الخطوط الجوية الكوبية لتأجيرها طائرة إيرباص-330، لأنه لا يمكنها
تلقي خدمات صيانة، إذ أنه بالرغم من كون الطائرة صناعة أوروبية، فإنها تستخدم عدة
تكنولوجيات أمريكية.
في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2004 لم تتمكن شركة "هيتاشي هاي
تكنولوجيز كوربوريشين" (Hitachi High
Technologies Corporation) من بيع مجهر إلكتروني لمستشفى
كوبي واسع الشهرة لذات الأسباب المذكورة سابقاً.
الحصار يمنع شركات بلدان أخرى -وهي البلدان التي تمثلونها
حضراتكم، أيها السادة المندوبين-، من تصدير أي منتج أو جهاز إلى الولايات المتحدة
إذا كان يحتوي على مادة أولية كوبية.
لا تستطيع أي شركة في العالم، ولا شركة!، تصدير حلوى إلى
الولايات المتحدة إذا كانت تحتوي على سكر كوبي.
لا تستطيع أي شركة في العالم، ولا شركة!، تصدير سيارات أو غيرها
من المعدات إلى الولايات المتحدة إذا لم يتم الإثبات أولاً بأن المعادن المستخدَمة
لصناعتها لا تحتوي على نيكل كوبي.
الحصار يمنع دخول مرافئ الولايات المتحدة على السفن التي
نقلت بضائع من أو إلى كوبا. ليس السفن الأمريكية،
أيها السادة المندوبون، إنما سفن البلدان التي تمثّلونها حضراتكم، لا تستطيع الذهاب
إلى الولايات المتحدة إذا دخلت مرفأ كوبياً من قبل. إنه قانون توريسيللي، الذي
وقّعه الرئيس بوش الأب عام 1992.
بموجب قانون هيلمز-بيرتون، الحصار يمنع استثمارات شركات
بلدان أخرى في كوبا، بزعم أن لها علاقة بممتلكات هي محل مطالبة من قبل الولايات
المتحدة. ولهذا، أيها السادة المندوبون، ما زالوا
معاقبين إداريّو شركة "شيرّيت" (Sherritt)
الكندية وغادرت كوبا في العام الماضي شركة "سوبركلوب" (SUPERCLUB)
الجمايكية في ظل هذا التهديد.
إن الحصار يا أصحاب السعادة ينتهك الحقوق الدستورية للشعب
الأمريكي. فهو يمنع أبنائه من السفر إلى كوبا ومن الاستمتاع بثقافتنا والتبادل مع
الشعب الكوبي بحرية.
حين تقف كوبا اليوم هنا على هذا المنبر، لا تفعل ذلك دفاعاً عن
حقوق الشعب الكوبي فقط، وإنما كذلك دفاعاً عن حقوق الشعب الأمريكي، الذي نكنّ له
مشاعر التعاطف والصداقة والاحترام، والذي لا نحمّله مسؤولية معاناتنا ومسؤولية
السياسة الظالمة والمبيدة التي تفرضها حكومته على وطننا.
ونقف هنا اليوم دفاعاً عن حق كل الأسرة الدولية، الذي يتعرض
للانتهاك من قبل هذه السياسة المطبّقة من جانب واحد وغير المشروعة.
يلحق الحصار الأذى أيضاً بالمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة،
وليس فقط بحقوقها. فحسب دراسة أجريت في شهر حزيران/يونيو 2005 ونشرها مركز التجارة
والأبحاث التابع لجامعة جنوب ألاباما، يمكن لرفع الحصار أن يوفّر مائة ألف فرصة عمل
جديدة وأن يحقق للاقتصاد الأمريكي مداخيل بقيمة ستة آلاف مليون دولار.
حضرات السادة المندوبين:
سيدي الرئيس:
خلافاً لما اعتاد على فعله خلال سنوات طويلة، نلاحظ أن وفد
الولايات المتحدة، الحاضر هنا اليوم، قد تراجع عن المشاركة في المداولة التي تسبق
هذا التصويت. أعتقد أن مردّ ذلك هو افتقاده للأفكار، وإلى أنه لا يتوفر لديه حجّة
واحدة. ولهذا تخلى حتى عن الدفاع عن مواقفه في المداولة العامة. إنهم في حيرة بسبب
ما شرحه عشرون وفد هنا قبل الوفد الكوبي. ربما أنهم يصمتون لأنه، وكما قال الرئيس
أبراهام لينكولن، "لا تستطيع أن تخدع كل الناس طيلة الوقت".
من واجبي القول أننا نفهم هذا القرار كاستسلام من النوع
المعنوي. فالأمر يحتاج لأكثر من الجبروت، يحتاج للخلقية، يحتاج للسلطة الأخلاقية،
والسلطة الأخلاقية لا يمكن كسبها بالقوة، لا يمكن كسبها بالحرب، لا يمكن كسبها
بالسلاح؛ السلطة الأخلاقية تكتسَب بالأعمال النموذجية، باحترام حق الآخرين، ولو
كانوا صغاراً وفقراء.
أعرف أنهم مسجّلين للمشاركة فيما بعد عند شرح الأصوات، سيتكلمون
من بعدي. وبالتالي لا يمكنني أن أعلّق على آرائهم، ولكنني أؤكد أنه في موعد تقديم
الردود سيفنّد الوفد الكوبي كل أكذوبة وسيكرر كل حقيقة يحتاج الأمر لقولها في هذه
القاعة.
حضرات السادة المندوبين:
سيدي الرئيس:
في النهاية، أود التأكيد أن الحصار المفروض على كوبا يجب أن
يُرفع. ومن واجب حكومة الولايات المتحدة أن توقف عدوانها على كوبا؛ يجب الاعتراف في
نهاية الأمر بحقنا بتقرير المصير.
إن حكومة الولايات المتحدة واهمة في فكرة تمكنها من الإطاحة
بالثورة الكوبية، وأقول ذلك بكل وضوح. إنها تقنّع مخططاتها، فتسمي انتقالاً ما من
شأنه أن يكون إلحاقاً فظاً ودموياً.
ولكنها تخطئ. فهي تجهل ما زرعته الثورة من بسالة وروح استقلالية
ومستوى في الوعي السياسي عند الشعب الكوبي.
إن الصمود والحس بالكرامة اللذين أثبتهما الشبان الكوبيون
الخمسة، السجناء السياسيون في معتقلات الولايات المتحدة، أبطال مكافحة الإرهاب،
الذين يتابع ذووهم، زوجاتهم، أمهاتهم، أبناؤهم من هافانا هذه المداولة وهم على ثقة
بالحس بالعدالة عند الوفود الحاضرة هنا، يشكلان دليلاً على الروح العازمة التي
ندافع بها نحن الكوبيون اليوم وسندافع بها دائماً عن حقنا ببناء مجتمع أكثر عدالة
وتضامناً وإنسانية.
باسم هؤلاء الأبطال الخمسة؛ باسم الأطفال والشبان الكوبيين
الذين اضطروا للعيش مدى حياتهم في ظل الحصار؛ باسم الشعب النزيه والسعيد والباسل في
كوبا الذي يثق بكم، لأنه يعرف بأن العالم قد شاهد الكوبيين يحاربون ويعلّمون
ويعالجون أينما استدعى الأمر حضورهم، ولأنه يعرف بأن العالم قد رأى الكوبيين دائماً
لا يقدّمون ما يفيض لديهم وإنما يتقاسمون ما عندهم؛ باسم حق كوبا، الذي هو اليوم
حقكم أيضاً وحق الشعوب التي تمثلونها، أطلب منكم بكل احترام التصويت لصالح مشروع
القرار "ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات
المتحدة الأمريكية على كوبا".
شكراً جزيلاً (تصفيق)