فى
سبتمبر 1998 ، خمسة كوبيون و هم : خيراردو ايرنانديث و انتونيو جريروا
و رامون لابنينو و فرناندو جونزاليث و رينيه جونزاليث تم القبض عليهم
فى ميامى (فلوريدا) و وجهه الإتهام لهم 26 ذنبا أمام القوانين
الفيدرالية الأمريكية .
"الخمسة" و هو السم الذى سنطلقه على هؤلاء الرجال
فيما بعد ، و الذين وصلوا الى الولايات المتحدة من هافانا بهدف التسلل
فى منظمات من الميليشيات المسلحة و الناجمة عن المجتمع الكوبى بالمنفى
و التى تتمتع بحماية الحكومات الأمريكية المتعاقبة و لإكتشاف مدى
خطورة نشاطاتهم الإرهابية ضد كوبا
و قد تكبدت كوبا خسائر بشرية فادحة و أضرارا مادية
كبيرة بسبب تلك الإعتداءات و ذهبت مطالبات كوبا بهذا الصدد لدى
الولايات المتحدة و الأمم المتحدة مهب الريح.
و مع بداية فترة التسعينات و عندما كانت كوبا تبذل أقصى
جهدها لتطوير السياحة بها ، بدأ المعارضين لكسترو ، من ميامى، حملة
شرسة تهدف الى عدول الأجانب الذهاب الى كوبا. فى عام 1997 تم إكتشاف
قنبلة بأحد مطارات هافانا بالإضافة الى قنابل أخرى تم تفجيرها فى مينى
باص و بالفنادق و أصابت العديد من المنشأت السياحية التى أصبحت هدفا
للقذف من المراكب القادمة من ميامى.
و اثناء القبض على " الخمسة" لم يبدوا أى مقاومة . لإن
مهمتم لم تتضمن الحصول على اسرار حربية امريكية و لكن مهمتهم كانت
تكمن فى مراقبة الأرهابيين و إخبار كوبا هول مخططاتهم العدوانية (1)
و تم ارسال الخمسة الى زنزانات للتعذيب و هى مخصصة للمجرمين الخطرين
حيث مكثوا بها 17 شهرا حتى بدء المحاكمة.
و بعد إنتهاء المحاكمة بسبعة أشهر ، فى سبتمبر 2001 ، (
ثلاثة اشهر بعد مصيبة 11 سبتمبر ) ، أدانوهم بأحكام مشددة : خيراردو
ايرنانديث حصل على حكم مؤبد مكرر، و كل من انتونيو جريروا و رامون
لابانينو حكم مؤبد أما الإثنان الآخران و هما فرناندوا جونزاليث و
رينيه جونزاليث 19 و 15 عاما على التوالى . 24 من تلك الاتهامات
الموجهه اليهم كانت ذات طابع فنى و مرتبطة بإستخدام مستندات مزيفة و
عدم الإلتزام بإعلان إنهم عملاء أجانب . أى من تلك الإتهامات لم يوجهه
لحرازة السلاح أو القيام بأعمال عنف أو تدمير الممتلكات.
و من الجلى ، التعارض بين سلوك حكومة الولايات المتحدة
فى هذه القضية و تصرفها حيال أشخاص مثل أورلاندو بوش و لويس بوسادا
كاريليس ، و هما المنظمين للهجوم بالقنابل على طائرة لخطوط الطيران
الكوبية و تفجيرها فى الجو فى اكتوبر 1976 متسببا فى موت 73 شخصا.
و عندما طلب لويس إذنا من حكومة فى الولايات المتحدة ،
فى عام 1990 ، تحريا رسميا لوزارة العدل ذكر بالتقرير " منذ سنوات كان
متورطا فى هجمات إرهابية بالخارج و تخريب حيث شارك فى العديد منها " و
بالرغم من ذلك فإن جورج الأب نفسه منحه اذنا بالإقامة.
وفى إنتظار النطق بالحكم فى عام 1956 ، لإتهامة بالهجوم
على طائرة كوبية تابعة للطيران الكوبى . و فى عام 1985 هرب بوسادا
كاريليس من السجن فى فنزويلا مع مســـــــاعدة بـعض " الأصدقاء"
الأقوياء. و لقد أعترف فى مناسبتين بسؤوليته عن الهجوم بالقنابل فى
عام 1997 فى هافانا ، حيث قتل سائح ايطالى و تسبب فى إصابة العديد من
الأشخاص. هذا و قد أعلنت محكمة بنميه إدانتـــة ( لتعريضه الأمن العام
للخطر) بعد القبض عليه فى نوفمبر عام 2000، بينما كان يعد محاولة
للهجوم على الرئيس الكوبى فيديل كاسترو، الذى كان محاطا بمئات الأفراد
، و بخاصة من الطلاب، بمناسبة إنعقاد أحد مؤتمرات القمة الإقليميه.
و قد حظى، بشكل لا يمكن تصديقه، بضيافة حكومة الولايات
المتحدة، و بعد العفو غير الشرعى الذى منحته له رئيسة بنما السابقة/
مريا موسكوتو، قبل نهاية فترة حكمها بيومين.
و بينما كان وجوده على الأراضى الأمريكية أمرا سريا ،
تم القبض عليه فقط بعد ظهوره فى مؤتمرا صحفيا و هو الآن مقيم محاط
بقوات الأمن و ليس بالسجن إنما هو مقر إقامة خاص فى مركزا للإعتقالات
، و لم يتم توجيه اى تهمة جنائية له و انما يطبقون عليه فقط بعض
الإجراءات الإدارية لعدم إمتلاكه إذنا بالإقامة على الأراضى الأمريكية
، وبالتالى يمكن طرده للدولة التى يختارها.
و ترفض الولايات فكرة إعادته الى فنزويلا و التى تطالب
بذلك ، حيث يجب ان يقضى عقوبات لإتهامة بالقيام بأعمال إرهابية.
و لكى نعود من جديد لموضوع (الخمسة ) فقد تم توزيعهم
على سجون شديدة التحصين حيث يبعد احدهما عن الآخر مئات الكيلومترات .
و رفضوا، بعد مرور سبع سنوات ، أن يسمحوا لأثنين منها إستقبال زيارة
زوجاتهم ، مخالفين بذلك القوانين و القواعد الدولية.
و استمرت القضية امام النيابة لمدة سبعة أشهر و امتثل
أكثر من 70 شاهدا للإدلاء بشهادتهم ، بما فى ذلك لواءات و قادة
متقاعدون و مستشار بالرئاسة و هم شهود طالب الدفاع بإستجوابهم .و
سُجِلَت شهاداتهم فى 119 كتابا بالإضافة الى الأدلة المأخوذه قبل
القضية و ملف بالتعليمات صدر فى 12 كتاب و نتج عن ذلك أكثر من 800
مستند بعضهم تجاوز الأربعين صفحة، و أعلن ال12 قاضيا ، منساقين وراء
رئيستهم، التى اعربت بصراحة كراهيتها لكاسترو ، إدانة " الخمسة" ب 26
اتهاما ، دون ان يوجهوا اليهم سؤالا واحدا ، و هو ما يعد تصرفا غير
مألوف فى قضية بهذا الطول و التعقيد.
الإتهامين الرئيسيين يعتمدان فى المقام الأول على أساس
إتهام ينفذ عادة فى قضايا ذات طبيعة سياسية و هى "التأمر" الإتفاق غير
شرعى بين شخصين أو أكثر لإرتكاب جريمة ، و هو ما لا يتطلب تنفيذ
الجريمة . و انما يتم الإتهام يجب ان يقوم على اساس دليل استنتاجى و
هو أن " إتفاقا مسبقا كان موجودا " و من النادر أن تظهر دلائل حقيقية
و مباشرة حول اتفاق غير قانونى ، إلا إذا كان أحد المشاركين يقدم بنفسه
دليلا أو إقرارا يعترف فيه بهذا الإتفاق. و فى مثل هذه الأحوال ، فإن
لجنة المحلفين ، إنطلاقا من مبدأ وجود اتفاق، بدون وجود دلائل على
إرتكاب الجريمة ، آخذين بعين الإعتبار ، وذلك لإعتبارات سياسية ،
الإنتماء الى أقليه او جنسية المتهم.
الإتهام الأول و هو التآمر يشير الى أن ثلاثة من هؤلاء
الخمسة قاموا بالإتفاق فيما بينهـــــم " للقيام بأعمال تجسس " و من
حيث المبدأ " فإن الحكومة أشارت الى أنها غير مضطرة لإثبات جريمة
التجسس و لكن يكفى ، وببساطة، وجود التآمر بهدف التجسس. و بمجرد
تحررهم من الإلتزام بإثبات الجريمة ، إجتهدت النيابة بإقناع هيئة
المحلفين بأن هؤلاء الكوبيين لابد أنه كان بينهم إتفاقا فيما بينهم
لتحقيق هدفهم.
و فى بداية الأمر ، إعترف الإدعاء أن "الخمسة" لم يكن
يمتلكوا أى صفحة من المعلومات ، "السرية" من وجهة نظر الحكومة ، بينما،
و من جانب أخر إستطاعوا الحصول على اكثر من 20 الف صفحة من المراسلات
بين هؤلاء " الخمسة" و كوبا. و بمراجعة تلك المراسلات تم الإعتراف
بها لأحد كبار المسؤولين العاملين بجهاز الإستخبارات بالبنتاجون.
و عندما تم إستجوابه ، إعترف بأن يتذكر إنه لم يجد أى
معلومة قد تمس الدفاع القومى للولايات المتحدة ، و وفقا للقانون ،
فإنه يجب إثبات وجود هذا الدليل للتأكيد على وجود جريمة تجسس .
إذا فإن العامل الوحيد حول هذه الجريمة التى يعتمد عليها
الإتهام و هى أن احد هؤلاء الخمسة و هو انتونيو جريروا كان يعمل فى
ورشة لصهر الحديد فى القاعدة البحرية للتدريبات المسماه " بوكا شيكا"
بجنوب فلوريدا و المفتوحة بالكامل أمام الجمهور و التى تعتمد ايضا على
منطقة مفتوحة للزوار ، حيث يستطيعون تصوير الطائرات على المهبط .
بينما كان يعمل جريروا هناك لم يحاول ، فى أى لحظة، الحصول على تصريح
من الأمن . حيث كان من غير المسموح له دخول أماكن ممنوعة و التى لم
يحاول دخولها قط ، بالإضافة الى أنه على مدى العامين السابقين للقبض
عليه و أثناء مراقبة البوليس الفيدرالى له ، لم يسجل البوليس و لو الحد
الأدنى من الإيماءات على سؤ تصرف من جانبه.
و كانت مهمة جريروا الوحيدة هى إعلام هافانا ،
بالمعلومات التى يلاحظها أو يقرئها بالصحف ، و هى فى متناول أى فرد ،
حول خروج و عودة الطائرات ، كما قام بقص بعض مقالات الصحافة المحلية
حول الموضوعات ذات الصلة بالوحدات العسكرية المحيطة بالمنطقة.
هذا و قد أعلن مسؤولون سابقون بالجيش و الخدمة السرية
الخاصة بالولايات المتحدة أن كوبا لا تمثل أى تهديد عسكرى على الولايات
المتحدة و أنه لا توجد أى معلومات حربية يمكن الحصول عليها فى " بوكا
تشيكا" و أن إهتمام كوبا بنوعية المعلومات ذات الصلة بالقضية هو معرفة
حقيقة ما إذا كنا تنوى الولايات المتحدة الإعداد لعمل عسكرى ضدها.
و أن أى معلومة ممكن يعرفها الشعب لا يمكن إعتبارها
إتهاما بالتجسس ، و مع ذلك فإن سماع مزاعم الإدعاء ثلاثة مرات و
بطريقة غاية فى التبجح ، حيث أنه وفقا لوجهة نظرهم كان هؤلاء الخمسة
يحاولون " تدمير الولايات المتحدة" ، و بالتالى أعلنت هيئة المحلفين ،
المنساقة وراء أهوائها أكثر من إلتزامها بالقانون و الدلائل و البراهين
، إدانة الخمسة.
الإتهام الثانى بالتآمر أضاف سبعة أشهر على الحكم السابق
و كان من نصيب احد فقط من الخمسة و هو خيراردوا ايرنانديز للتأمر مع
مسؤولين كوبيين آخرين "غير متهمين" بهدف إيقاع طائرة صغيره يقودها
طيارون كوبيون بالمنفى من منظمة (إخوان الإنقاذ) و فى اللحظة التى
توغلوا فيها فى المجال الجوى الكوبى ، إعترضتهم السلطات الكوبية مما
تسبب فى وفاة أربعة أفراد على متنها .
و أعترف الإدعاء إنه لم يوجد أى دليل لإثبات وجود مثل
هذا الإتفاق بين ايرنانديث و المسؤولون الكوبيون، حول إيقاع تلك
الطائرات و بالتالىفإن الإلتزام القانونى، بإثبات وجود إتفاق لا أساس
له من الصحة و لم يتم الإلتزام بهذا الشرط لتوجيه الإتهام.
و إعترفت الحكومة أمام المحكمة أنها وجدت نفسها أمام
عقبة لا يمكن تجاوزها ، و افترضت بما فى ذلك تعديل صيغة الإتهام و هو
ما لم تقبله محكمة الإستئناف. و بالرغم من كل هذا فقد أعلنت هيئة
المحلفين إدانة ايرناديث من هذا الذنب المختلق .
وقد استأنف الكوبيون الخمسة فور اصدار الحكم ضدهم أمام
الدائرة الحادية عشر بأطلنطا فى جورجيا ، و بعد بحث مدقق لكافة
المستندات ، أعلنت مجموعة من القضاه فى التاسع من أغسطس 2005 ،
تحليلا من 93 صفحة حول القضية و الأدلة الموجوده بها ، و ألغت الحكم
الصادر ضد الخمسة و أبرزت أنهم لم يتعرضوا لمحاكمة عادلة بميامى التى
يتركز بها 650 ألف كوبى بالمنفى و الذين أعطوا أصواتهم للرئيس بوش كى
يكمل عدد الأصوات التى يحتاج اليها كى ينجح فى الإنتخابات الرئاسية
لعام 2000 ، و بالتالى إعتبرت محكمة الإستئناف الفيدرالية هذه
المدينة ذات طابع عدائى و ظالمة فى كل ما هو متعلق بالحكومة الكوبية
كما انها تدعم أى عنف مرتكب ضد كوبا و بالتالى فإن من المستحيل تصبح
مقرا لسير قضية عادلة لهؤلاء الأبرياء الخمسة .
و بالإضافة الى سلوك النيابة و التى قدمت إدعاءات مبالغ
فيها ، وبدون أى أساس من الصحة ، لهيئة المحلفين ، فقد عززت صدور احكام
مسبقة عليهم ، و هو ما فعلوه ايضا بالمعلومات التى وفروها للصحافة قبل
و اثناء سير القضية.
و قد أمرت محكمة الإستئناف بإجراء محاكمة جديدة و أكثر
من كونه اعترافا بالحقوق الأولية للمتهمون التى تم الإعتداء عليها ،
فإن المحكمة ، و لأول مره فى تاريخ القضاء الأمريكى تقبل أدلة الدفاع
فيما يتعلق بالأفعال الإرهابية التى ترتكب فى فلوريدا كوبا ، مشيرة
فى مذكرتها دور بوسادا كاريليس كأرهابى.
إن هذا القرار ترك ادراة بوش مذهولة ، و مع هذا فقد سبق
هذا القرار ، قرارا أخر لمجموعة عمل الأمم المتحدة حول الإعتقالات
الظالمة و أنهت المجموعة بإعتبار أن الخمسة مظلومين و طالبت حكومة
الولايات المتحدة بإتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع نهاية لهذا الوضع.
و جدير بالذكر أن السيد/ البرتو جونزاليز، المستشار
السابق لجورج بوش و وزير العدل بالولايات المتحدة الأمريكية ، إتخذ
قرارا غير مألوف، بتقديم إستئنافا لحكم الأثنى عشر قاضيا بالدائرة
الحادية عشر مطالبا و بإلحاح مراجعة قرار القضاه الثلاثة . و هو
إجراء نادرا ما يحدث ، و بخاصة عندما يتخذ القرار بموافقة جماعية
للقضاه الثلاثة و الذين عبروا عن رأيهم و بإسهاب مما ينم عن حسن
درايتهم بالقضية.
و مما أثار دهشة المحامين الذين يتابعون تلك القضية ،
موافقة القضاه الإثنى عشر فى 31 من اكتوبر الماضى بمراجعة هذا القرار
إن " الخمسة" لم يتم محاكمتهم لإعتدائهم على قانون الولايات المتحدة و
لكن لأن عملهم ركز الإهتمام على من يقومون بالإعتداء عليه ، من داخل
الولايات المتحدة نفسها. لأنه بتسللهم داخل الشبكة الإجرامية الموجودة
، بطريقة علنية، فى فلوريدا ، قد كشفوا مدى زيف و نفاق الولايات
المتحدة بمعارضتها للإرهاب.
(1) القانون الأمريكى ، قانون المحايدة، يحرم القيام ،من
على أراضى الولايات المتحدة ، بهجوم ضد دولة أجنبية ، فى حالة سلم مع
الولايات المتحدة.
تعريب سفارة كوبا في مصر 01-01-2007