Bienvenido al Sitio Web de la Embajada de Cuba en Siria y Jordania- سفارة كوبا في الجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية الهاشمية ترحب بكم
  

الرئيسية

 

   

español

English

تقرير كوبا إلى الأمين العام بشأن القرار رقم 58/7 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

 

"ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على كوبا"

 

هافانا، 30 أيلول/ سبتمبر 2004

 

تمهيد..............................................................................…….         1

1.-     إجراءات جديدة ضد ك.ا شعباً واقتصاداً..….......………………       6

مزيد من القيود على السفر إلى كوبا..................………………...     7

مزيد من القيود على التحويلات المالية العائلية..........………….     11

مزيد من المضايقـة في الخارج......................…………………..    13

نقاط وتقييمات أخرى لا بدّ منها..………………......………......14......

2.-     طابع سياسة الحصار المتجاوِز لحدود البلد الذي يمارسها...……..‎...    18

3.-     الأضرار في مجال الصحة......................…......……………..… 22

4.-     الأضرار في حقـل التعليـم والثقافـة والرياضـة والتبادل الأكاديمي والعلمي بين الشعب الكوبي والشعب الأمريكي…………….........................................       26

5.-     الشق 211 من قانون حافلة تخصيصات الموازنة لعام 1999 .....…. 32

6.-     الأضرار بالمسيرة الخارجية للاقتصاد الكوبي........……………      34

7.-     الأضرار بقطاعات أخرى من الاقتصاد القومي................………… 38

استنتاجات ....................................................…………………..   43

ملحق ............................................................………………….. 44


 

تمهيد

إن تراكم أكثر من أربعة عقود من الزمن من العذاب بالنسبة للشعب الكوبي، بسبب قراره السيّد بمقاومة الحصار المفروض عليه، مع صيانته لاستقلاله وبدون التخلي عن حقه ببناء نموذج تنموي خاص به، هو قضية تتحكم بها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وتتعامل معها باستخفاف مطلق.

وإدانة الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 12 سنة، والتي أصبحت اليوم إدانة بالإجماع عملياً، لسياسة الإبادة هذه، التي تطلق السلطات الأمريكية عليها تلطيفياً اسم "حظر"، إنما تتعرض للاستهزاء المتواصل.

لا تعير حكومة الرئيس جورج دبليو بوش اهتماماً أيضاً للمساءلة التي تبعثها سياستها تجاه كوبا بين قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي والتي تطالب باستمرار، وبمزيد من العزم يوماً بعد يوم، بتغيير هذه السياسة. فمثل هذه السياسة لا تسعى فقط لخنق الشعب الكوبي وإنزال الأذى بعلاقاته مع بلدان أخرى، وإنما تمنع أيضاً وتقيّد الحريات الأساسية على الشعب الأمريكي، بما فيها بعض ذا طابع دستوري.

الفترة التي يعالجها هذا التقرير (النصف الثاني من عام 2003 والنصف الأول من العام الجاري) ستدخل التاريخ كواحدة من أشدّ الفترات قسوة ضمن الجريمة الكبرى التي تحمل اسم "حصار".

الإجراءات الجديدة المتخذة من قبل الحكومة الأمريكية خلال هذه الفترة تضاف إلى سلسلة القوانين والنظم التي شكّلت بمجموعها الحصار المفروض على كوبا منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن وتثبت فشل محاولات هذه الحكومة لعزل الجزيرة وإركاع شعبها جوعاً ومرضاً. هدفها هو تحقيق سعيها للسيطرة على الأمة الكوبية، وهو المسعى الذي استرشد به تحرك قطاعات اليمين المتطرف الأمريكي منذ قرن من الزمن.

وتسعى هذه الإجراءات أيضاً إلى ري الظمأ والتعطش للانتقام الذي يراود مجموعة تشكل أقلية ومتطرفة من أصل كوبي لا تتورّع عن اللجوء إلى ممارسة أساليب إرهابية ضد الشعب الكوبي في الجزيرة، والتي يشعر الرئيس جورج دبليو بوش بالدين الأبدي لها لمشاركتها المباشرة في تنظيم وتنفيذ عملية التزوير في انتخابات عام 2000 في ولاية فلوريدا.

من بين أبرز الحقائق التي تتميز بها الفترة التي يغطيها هذا التقرير يأتي:

»  في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2003 أصدر "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) التابع لوزارة المالية الأمريكية قانوناً يمنع من خلاله نشر المقالات العلمية الواردة من تلك البلدان الخاضعة لنظام من العقوبات من قبل حكومة الولايات المتحدة، وكوبا هي أحدها. وقد فعل ذلك بحجة أن عملية التنضيد، أي "المراجعة والتعديل والنشر" إنما من شأنها أن تتحول إلى "خدمة" تُعطي قيمة للمواد المذكورة، مما يشكل انتهاكاً "لقانون التجارة مع العدو". وبعد ضغوط شديدة من جانب المجتمع العلمي والأكاديمي الأمريكي، تم إلغاء هذا الإجراء في الخامس من نيسان/أبريل 2004.

»  في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2003 أعلن الرئيس جورج دبليو بوش من البيت الأبيض عن تشكيل ما تسمى "اللجنة من أجل المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة" ومضاعفة القيود ومزيداً من الرقابة على تطبيق قوانين حظر السفر إلى كوبا.

»     في التاسع من شباط/فبراير 2004، وفي إجراء جديد يتجاوز حدود البلد الذي يتخذه، أعلن وزير المالية الأمريكي، جون سنوو، في مدينة ميامي وضع يد "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) فوراً على الممتلكات الخاضعة للقانون الأمريكي التابعة لعشر شركات هي "ملك الحكومة الكوبية أو تسيطر عليها حكومة كوبا أو مواطنين من هذا البلد"، وهي شركات متخصصة في الترويج للسفر وإرسال الهدايا إلى كوبا. وقد شمل ذلك هيئات مكوّنة ومستقرة في كل من الأرجنتين وبهاما وكندا وتشيلي وهولندا والمملكة المتحدة.

»    في ذلك اليوم نفسه، استعرض ذات الموظف مدى تطبيق قرار الرئيس الأمريكي مضاعفة القيود على السفر إلى كوبا، ذاكراً بالتفصيل عدد الرحلات الجوية التي خضعت للتفتيش وعدد الغرامات المفروض والمصادرات التي أجريت.

»  في السادس والعشرين من شباط/فبراير 2004 وقّع الرئيس جورج دبليو بوش الرسالة الرئاسية رقم 7757 التي تقيّد مغادرة الأراضي الأمريكية على القطع البحرية التي تنوي الدخول إلى كوبا. وتعلن النظم الموضوعة لتطبيق تلك الرسالة وأصدرتها خدمات خفر السواحل في الثامن من تموز/يوليو، صراحة بأن الهدف الذي تسعى إليه هو "الارتقاء بتطبيق الحظر على الحكومة الكوبية". وتنص تلك النظم على عقوبات تصل قيمة الغرامات منها حتى 25 ألف دولار، أو خمس سنوات من السجن، أو كلاهما، وكذلك مصادرة القطع البحرية من أصحابها مقترفي الانتهاك.

»  خلال هذه الفترة، شنت الحكومة الأمريكية ضغوطاً شديدة على مؤسسات مصرفية من بلدان أخرى من أجل عرقلة ومنع العمليات المصرفية الكوبية. تستخدم كوبا هذه الدخول من العملة الصعبة من أجل القيام بعمليات استيرادها للأدوية والمواد الغذائية وغيرها من السلع الاستهلاكية ومن المستلزمات الضرورية لنشاطها الاقتصادي وخدماتها الاجتماعية الأساسية.

وفي موعد حديث العهد فرضت حكومة الولايات المتحدة غرامة بقيمة 100 مليون دولار على الهيئة المصرفية السويسرية "يو بي أس" (UBS) بسبب استخدامها للدولار في عمليات مالية مع بلدان معينة، من بينها كوبا.

»  في السادس من أيار/مايو 2004، وافق الرئيس جورج دبليو بوش على مجمل تقرير ما تسمى "اللجنة من أجل المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة"، والذي يشمل 450 توصية ومقترحاً بإجراءات جديدة لتدمير بالثورة الكوبية وإحلال نظام دمية تحت السيطرة الكاملة للولايات المتحدة، التي من شأنها أن تمارس في هذه الحالة هيمنة تامة على الأمة الكوبية.

»  وأخيراً، في الثلاثين من حزيران/يونيو 2004 دخلت حيز التنفيذ النظم التي تشدّد الإجراءات المعلن عنها في السادس من أيار/مايو، والتي تشكل انتهاكاً للاستقلال والسيادة الكوبيـة وتصعيـداً لم يسبـق له مثيل للانتهاكات الواسعة والصارخة للحقوق الإنسانية للمواطنين الكوبيين والكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة والمواطنين الأمريكيين أنفسهم.

إن الحصار الاقتصادي والمالي والتجاري الذي أخذت عشر إدارات أمريكية متوالية بتطبيقه وتعزيزه ضد كوبا، والذي يشمل اليوم سلسلة معقّدة من القوانين والنظم، يشكل جزءاً من سياسة عداء واعتداء على وجود الأمة الكوبية بحد ذاته، وهو وجود يُفهم منه مشروع بناء سيّد ومستقل يقوم به الكوبيون وهو من أجلهم.

إن طمع الولايات المتحدة الشره بكوبا ومواردها الطبيعية والبشرية يعود عهده إلى نشوء الاتحاد الأمريكي بحد ذاته، حين بدأت الجهود الرامية لإلحاق كوبا عبر مختلف السبل، والتي شملت بدءاً من المحاولات الفاشلة لشرائها، مروراً بحفز ودعم القوى الإلحاقية داخل المستعمرة الإسبانية، وحتى التدخل والاحتلال العسكري المباشر.

لم تعترف الحكومات الأمريكية خلال القرن التاسع عشر أبداً بجمهورية كوبا المتمردة. على العكس من ذلك، عرقلت ومنعت في مناسبات عديدة قنوات إرسال المساعدة التي حرص شعبها والكوبيون المهاجرون في ذلك البلد على تقديمها لقضية تحرر الشعب الكوبي.

بعد التدخل العسكري الأمريكي عام 1898، الذي انتزع من الكوبيين حقهم المكتسب بأن يكونوا أحراراً بعد ثلاثين سنة من الحرب غير المتوازية، وُلدت "جمهورية" في كوبا تخضع للوصاية المذلّة لتعديل دستوري، وهو "تعديل بلات"، الذي أعطى صفة شرعية لكيان الجزيرة النيوكولونيالي. وعلى مدى أكثر من نصف قرن من الزمن أخضعت الإدارات الأمريكية الشعب الكوبي لسيطرتها الإمبراطورية ولاستغلال الإرث القومي على يد الاحتكارات، وذلك بفضل تواطؤ وخنوع حكومات فاسدة متعاقبة. كما أنها فرضت دكتاتوريات عسكرية همجية حين استدعى الأمر إخماد المطالب العادلة والإحساس العميق بمناهضة الإمبريالية الذي تعزز في قلب الشعب الكوبي عبر هدر الدماء.

لقد أثبتت أوليغارشية تابعة ومستفيدة من هياكل السيطرة الاستعمارية على البلاد عجزها عن قيادة مشروع للتنمية الوطنية الحقيقية، أو حتى مرافقة هذا المشروع.

مع انتصار ثورة اجتماعية عميقة عام 1959، قررت الأوساط الإمبريالية في الولايات المتحدة التي مارست سيطرتها على الجزيرة وسرعان ما رأت في مثال الثورة الكوبية تحدياً واضحاً لمشاريع هيمنتها التوسعية، استخدام قوتها، من خلال إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، من أجل شن حرب غير معلنة والمحافظة عليها وتشديدها مع مرور السنين، والغاية منها إعادة فرض هيمنتها على الأمة الكوبية، وإذا كان بالإمكان، إفنائها بكل بساطة في عصيانها.

والحرب في المجالات الاقتصادي والتجاري والمالي بدأت ضد كوبا حتى منذ ما قبل اتخاذ الحكومة الثورية لأي إجراء يلحق الأذى بالشركات الأمريكية، التي كانت تسيطر على الحياة الاقتصادية للبلاد.

بموازاة حفز وتنظيم غزو مرتزق عبر شاطئ خيرون (خليج الخنازير) والعديد من الأعمال الإرهابية –بما فيها أعمال تخريب ضد أهداف اقتصادية واجتماعية، ومحاولات لاغتيال القادة الرئيسيين، والهجمات المسلحة على عائلات ومواطنين عزّل وحتى القيام باعتداءات بكتيرية- والحملات الإعلامية الهائجة من الأكاذيب ضد الثورة الكوبية، وتشجيع أعمال التحريض وتمويل الثورة المضادة الخارجية وفي داخل الجزيرة والحفز الإجرامي للهجرة غير الشرعية، أخذت تتبلور شبكة معقدة ومذهلة من الإجراءات والقوانين والبرامج التي تكوّن بمجموعها اليوم ما عليه الحصار من جانب واحد الذي تفرضه الولايات المتحدة على الشعب الكوبي.

في عام 1992 تم إقرار قانون توريسيللي، الذي قطع بغتة تجارة كوبا من الأدوية والمواد الغذائية مع الشركات الفرعية الأمريكية المقيمة خارج أراضي الولايات المتحدة ووضع قيوداً سافرة على حركة الملاحة البحرية من وإلى كوبا، ليعطى بذلك صفة رسمية، بقوة قانون، لنظم تتجاوز بشكل واضح حدود البلد الصادرة عنه.

لقد عنى تطبيق قانون توريسيللي ضربة قاسية للشعب الكوبي. فقد تمت بلورته لغاية دنيئة وإجرامية هي توجيه الضربة القاضية وتدمير الاقتصاد الوطني الذي كان يعيش مرحلة من الانقطاع الفجائي لعلاقاته الاقتصادية والتجارية وتعاونه مع ما كان عليه سابقاً الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية من أوروبا الشرقية. وبما أن هذا الرهان على انهيار الثورة الكوبية قد تحوّل إلى خيبة جديدة لسياسة العداء تجاه كوبا المتبعة من قبل حكومات الولايات المتحدة، تم عقد العزم آنذاك على تصعيد الحرب الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية ضد الأمة الكوبية إلى مستويات لم يسبق لها مثيل في تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

في عام 1996 تم إصدار قانون هيلمز-بيرتون الذي يرتقي، بين أمور أخرى، بتفاصيل آليات قطع دابر أدنى علاقة اقتصادية وتجارية ومالية تقيمها شركات أمريكية مع الجزيرة؛ فرفع عدد ونطاق القوانين ذات الفعل الذي يتجاوز حدود البلد الصادرة عنه، وذلك بهدف ملاحقة أي عملية مالية أو تجارية تعود بالنفع على الاقتصاد الكوبي؛ وسعى لملاحقة ومعاقبة المستثمرين الأجانب في كوبا، وسمح بتمويل الأعمال العدائية والتحريضية والعدوانية ضد الشعب الكوبي، ومن بينها حرب التضليل الإذاعية الإلكترونية، وذلك عبر الارتقاء ببث ما يسميان زوراً تلفزيون وإذاعة "مارتيه"؛ وطرح برنامجاً يرمي إلى تدمير النظام الدستوري الذي أقامه الشعب الكوبي لنفسه وفرض عملية "تغيير للنظام" تضمن تحقيق أهداف هيمنة الدوائر الإمبريالية الأمريكية على الأمة الكوبية.

منذ ذلك الحين أخذت تنضم تحركات وإجراءات عدائية وعدوانية جديدة واحد بعد الآخر، ضمن قائمة طويلة، في محاولة لسدّ أي ثغرة أو متنفّس يتم اكتشافه في طوق العقوبات التي تم وضعها لمحاصرة كوبا.

استناداً لأرقام حدّثها المكتب الوطني للإحصاءات في جمهورية كوبا عام 2004، فإن 69 بالمائة من سكان البلاد قد تولّدوا بعد عام 1959، وعليه فإن حوالي سبعة من بين كل عشرة كوبيين قد تولّدوا وعاشوا في ظل نظام العقوبات من جانب واحد التي يتضمنها الحصار الأمريكي.

يكشف التقييم الاقتصادي للأضرار المباشرة التي لحقت بالشعب الكوبي جرّاء تطبيق الحصار، وهو تقييم أجراه المعهد الوطني للأبحاث الاقتصادية، بمشاركة أخصائيين من وزارات وشركات ومؤسسات كوبية أخرى مختلفة، بأن هذه الأضرار تتجاوز قيمتها التسعة وسبعين ملياراً و325 مليوناً و200 ألف دولار. وينبغي الذكر أن هذا الرقم لا يشمل إلا الأضرار المباشرة التي لحقت باقتصادنا، وليس الجزء الأكبر من الأضرار الاقتصادية غير المباشرة المتأتية كمحصلة لهذه الأضرار[1]. لو كانت البلاد قد تمكنت من التمتع بهذه الموارد، لكان لها أثراً مضاعِفاً من حيث رفع مستوى الحياة المعيشية لمواطنيها.

لا يتم، على سبيل المثال، إدراج قيمة السلع التي غاب إنتاجها بسبب قيود الحصار، أو بسبب الشروط المرهِقة التي يتم فرضها على كوبا في سبيل حصولها على قروض استثمارية و تجارية ومصرفية ودولية. فلو كان بوسعها الحصول على معدل المستويات والشروط التي توضع على التمويل الممنوح لبلدان أخرى بذات المستوى من النمو الاقتصادي في المنطقة، لكان اقتصاد البلاد قد أبدى درجة أعلى بكثير من النمو[2].

إنه لمن غير المعقول في إطار وضع تُضافِر فيه الأسرة الدولية جهودها التعاونية في سبيل تحقيق غايات أساسية وغير قابلة للتأجيل من التنمية للجميع، أن يصر البلد الأقوى في العالم اقتصادياً وعسكرياً، وانطلاقاً من مصالح بائسة متصلة بالسياسة الداخلية وبالهيمنة العالمية، على سدّ الطريق أمام الحصول على الموارد القليلة التي يمكنها أن تجعل الرفاهية أكمل والتقدم أسرع اللذين يحققهما شعب أثبت بشكل جلي إرادته في مشاطرة إنجازاته المتواضعة وقفزاته مع أي شعب آخر على وجه الأرض بدون قيد أو شرط.

لا تمثل كوبا أي تهديد أو خطر على الولايات المتحدة. والعالم أجمع وقطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي يعرفان ذلك تماماً. ولا هم كثيرين أيضاً الذين ما تزال تخدعهم حجة الدفاع المزعوم عن حقوق الإنسان، وهي حجة زائفة ومنافقة، من أجل تبرير العداء الهمجي للشعب الكوبي.

كيف يمكن للحكومة المسؤولة عن ارتكاب أكثر الاعتداءات وحشية والمقترفة مع سبق الإصرار ضد السياسات والبرامج الرامية إلى الترويج للتنمية الاقتصادي والاجتماعية ولرفاهية الكوبيين والكوبيات وأمنهم وحقهم بالحياة أن تسعى لإعطاء نفسها صفة المدافع عن الحقوق الإنسانية للشعب الكوبي؟

كيف يمكن لحكومة تخترع الأكاذيب كحجة "لحروبها الوقائية"، التي هي في الواقع حروب إمبريالية للسيطرة على موارد وعلى مناطق جغرافية ذات أهمية استراتيجية كبيرة أن تعجّل في إحلال "الديمقراطية" في أي مكان من العالم؟

من تستطيع أن تقنع بالتزامها "بدولة القانون" الحكومة التي تدوس الأعراف الأساسية للقانون الدولي وتنتقص من القرارات المحرزة في إطارات متعددة الأطراف بالغة الأهمية والكونية كالجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، وهي نفسها التي تطالب بالحصانة من نصوص "معاهدة محاربة التعذيب وغيره من أنواع المعاملة أو الجنايات القاسية واللاإنسانية والمذلّة" من أجل ضمان الإفلات من العقاب بسبب الممارسات الهمجية والمهينة المرتكبة بإيعاز من سلطاتها في التعامل مع الأسرى في العراق أو الذين ما زالوا سجناء بشكل تعسفي في معسكرات الاعتقال القائمة في أراضي قاعدة غوانتانامو البحرية المحتلة بطريقة غير مشروعة في خليج غوانتانامو الكوبي؟

كيف يمكن لحكومة فاقمت من حالات التفاوت والظلم داخل المجتمع الأمريكي ودعمت إلغاء برامج التحرك الإيجابي لصالح الأقليات الفقيرة والمهمَّشة ـ كمواطنيها من أصل لاتيني أو الأفرو-أمريكيين ـ ورفعت عبر سياساتها الاجتماعية والمالية لصالح الأغنياء من عدد الأمريكيين الذين يفتقدون للتأمين الطبي بوتيرة مليون آخر كل سنة أن "تساعد" على تحقيق تقدم ورفاهية الشعب الكوبي؟

إنه ليستحيل على إدارة بوش أن تبقي على سياسة عدائها وحصارها واعتداءاتها ضد كوبا في إطار ما تزعم بأنها حاجة للترويج لحقوق الإنسان في الجزيرة وحماية هذه الحقوق. فالحكومة التي ساهمت أكثر ما ساهمت، وخلال أقصر مدة زمنية، في تراجع النظام الدولي للترويج لحقوق الإنسان وإفقاده المصداقية في العالم لا تتمتع لا بالمصداقية ولا بالسلطة المعنوية ولا بالحق بذلك.

إن شعب كوبا يرفض نموذج التنظيم السياسي والاجتماعي الذي تسعى حكومة الولايات المتحدة لفرضه في الجزيرة في من أجل استعادة آليات تدخلها وهيمنتها، كما يرفض الوصفات النيوليبرالية التي تبغي فرضها على عملية إعادة تنظيم اقتصاده وإدارته. ويرى الكوبيون والكوبيات أن النظام الذي تقترحه عليهم أوساط سلطة القوة العظمى لا يحل مشكلات الأمة الكوبية ولا يلبي احتياجاتها ولا يستجيب لمصالحها التاريخية، كما لا يستجيب لتطلعاتها في مواصلة بناء مجتمع أكثر عدالة وديمقراطية ومساواة.

استناداً لما ينص عليه الفرع ج) من المادة الثانية من معاهدة جنيف المتعلقة بالوقاية من جريمة الإبادة والمعاقبة عليها، الموقعة في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1948، فإن الحصار الذي تفرضه الحكومة الأمريكية على كوبا يكتسب صفة عمل إبادة، وبالتالي فإنه يشكل جريمة بحق القانون الدولي.

إن إدانة أي عمل إبادة وضرورة إنهاءه لا يسمحان بمواقف غامضة. ولا يمكن للشعب الكوبي أن يشاطر أي محاولة للتخفيف من مستوى الإدانة التي يلقاها الحصار الهمجي.

وكوبا على ثقة بأن تواصل الأغلبية الساحقة من حكومات العالم أجمع، وعلى غرار ما تفعل الشعوب والأشخاص الشرفاء والنبلاء، الاعتراف بالأهمية الحيوية للاعتراض على استمرار سياسة عداء واعتداءات من جانب واحد غير مشروعة وتزعزع أسس تعددية الأطراف نفسها.

مع أن الشعب الكوبي يدري تماماً بأن ضمانة وجوده ونموّه الرئيسية كأمة سيدة ومستقلة تكمن في عزمه على الوحدة والمقاومة والنصر في وجه أي تهديد أو عدوان، فإنه يتوجه بالشكر الصادق على دعم وتضامن الأسرة الدولية. فهذا الدعم، عدا عن كونه يشكل حافزاً معنوياً وأخلاقياً وقانونياً صريحاً، يثبت بأن المعركة التي يخوضها اليوم تتمتع بأهمية كونية وينفع الهدف المشترك المتمثل في الوصول إلى عالم أفضل، إضافة لكونه عالما ممكن، هو عالم لا بد منه من أجل بقاء البشرية.

يخصص هذا التقرير فصلاً واسعاً للإجراءات الجديدة المعلنة في السادس من أيار/مايو ولنظم تطبيقها، والتي تم الإعلان عنها في السادس عشر من حزيران/يونيو الماضي، وذلك بالنظر إلى أهميتها بالنسبة لتشديد الحصار. كما أنه يشمل ستة فصول أخرى ومجموعة من الأمثلة التي تثبت على نحو لا يُدحض بأن الحصار هو مسخ حي يلحق أذى مؤلماً بالحياة اليومية للشعب الكوبي.

 

1. إجراءات جديدة ضد كوبا شعباً واقتصاداً.

كما لو أن ما قدّمته حكومة الولايات المتحدة من أدلة على استخفافها بحاضر ومستقبل الشعب الكوبي وقلة احترامها لإرادة الأسرة الدولية وهزئها بالاهتمام المشروع للشعب الأمريكي بإقامة علاقة طبيعية وعقلانية مع كوبا لم تكن كافية، تم في السادس من أيار/مايو الإعلان عن إجراءات جديدة، وذلك في إطار عرض الرئيس جورج دبليو بوش لتقرير ما تسمى "لجنة المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة". هذا التقرير هو عبارة عن خطة لحكومة الولايات المتحدة ترمي إلى حرمان كوبا من استقلالها وسيادتها وذلك من خلال تشديد الحصار الاقتصادي والسياسي بغية تحقيق خلق الاضطراب الداخلي وتمهيد الطريق للتدخل المباشر من أجل تدمير الثورة وتأبيد هيمنة الولايات المتحدة على الشعب الكوبي.

يحتوي التقرير على إجراءات جديدة تدخلية ومذلّة للشعب الكوبي على نحو متمادٍ، تشدِّد بشكل ملحوظ الحصار الاقتصادي على البلاد وكذلك انتهاك الحقوق الإنسانية لسكانها، وحقوق الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة والمواطنين الأمريكيين أنفسهم.

يتم بهذه الإجراءات زيادة القيود المجحفة والتمييزية المفروضة على الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة، وهم المجموعة القومية الوحيدة التي تعطي حكومة ذلك البلد لنفسها الحق في تحديد العلاقات التي يمكنها لأبنائها أن يقيموها مع ذويهم ومع بلدهم الأصلي، وذلك في انتهاك علني لدستور بلدها.

بالإضافة لتشديد اللهجة العدوانية للسياسة المتبعة ضد كوبا وتوسيع إطار الحصار والسعي لتطبيق "تغيير النظام"، ينتهك التقرير سيادة كوبا على نحو فظ عبر فصوله الستة وصفحاته الأكثر من 450 صفحة، وذلك بتعريفه لما يجب أن تكون عليه هياكلها الحكومية والاقتصادية ونظامها السياسي وتنظيمها الاجتماعي ونظامها القانوني. ليس بوسع هذا التقرير أن يحتوي على قدر أكبر مما احتواه من الأكاذيب والحقد والخيبة والتدخل في الشؤون الداخلية لكوبا.

مزيد من القيود على السفر إلى كوبا

تندرج ضمن الإجراءات الجديدة المعادية لكوبا التي تم الإعلان عنها في السادس من أيار/مايو الماضي وأعلن "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" التابع لوزارة المالية الأمريكية عن تنفيذها في السادس عشر من حزيران/يونيو، عدة تحركات وتدابير ترمي إلى تشديد أكبر بعد للقيود الدراكونية على سفر المواطنين الأمريكيين والكوبيين المقيمين في الأراضي الأمريكية إلى كوبا، لتزيد بذلك القيود على العلاقات العائلية وإلحاق ضرر أكبر بعد بمصادر دخل هامة بالنسبة للجزيرة، وبشكل خاص منها تلك المرتبطة بصناعتها الرئيسية: السياحة.

قررت إدارة بوش:

·   مواصلة وضع القيود على منح التراخيص للقيام بزيارات تربوية ومتعلقة بالتبادل الأكاديمي لمواطنين ومؤسسات أمريكية لمدة تزيد عن عشرة أسابيع، لتجعلها مقتصرة على المستوى الجامعي وأن تعتمد حصراً على أن تكون تلك المشاريع الأكاديمية "في خدمة مباشرة لأهداف السياسة الأمريكية" تجاه كوبا، أي بكلمات أخرى، الإطاحة بالثورة الكوبية.

·        إلغاء إمكانية قيام المواطنين الأمريكيين بزيارات "كمدعوّين  ذوي نفقات مدفوعة" (fully hosted).

·   تقليص زيارات الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة إلى كوبا من زيارة واحدة في السنة إلى واحدة كل ثلاث سنوات. كما اتُّخذ ترتيب إضافي يقضي بضرورة الحصول على إذن خاص لكل زيارة بدلاً من الإجازة العامة التي كان معمولاً بها حتى تطبيق القيود الجديدة. يشكل ذلك اعتداء مباشر على جمع الشمل وعلاقات العائلات الكوبية.

·   تدبير عدم تمكن الكوبيين الذين يصلون في موعد حديث العهد إلى الولايات المتحدة من زيارة كوبا إلا بعد مرور ثلاث سنوات على هجرتهم.

·        عدم السماح بالقيام برحلات استثنائية ولو استدعت ذلك أوضاع حاجة ماسة.

·        جعل مدة زيارة الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة لكوبا مقتصرة على مدة لا تتجاوز الأربعة عشر يوماً.

·   الحدّ من عدد الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة ذوي الحق بزيارة كوبا، وذلك انطلاقاً من تقليص تعسفي للتصنيفات العائلية المقبولة قانونياً كأعضاء لأي عائلة كوبية. فقد أصدرت الحكومة الأمريكية مرسوماً يقضي بأن الأقارب الذين يمكن زيارتهم في كوبا يقتصرون على: "الأجداد، الأحفاد، الآباء، الأشقاء، الأزواج، الأبناء". أي أن العم أو العمة أو أبنائهما أو الخال أو الخالة أو أبنائهما أو غيرهم من الأقارب لن يتم اعتبارهم من الآن فصاعداً مؤهلين للزيارة، بغض النظر عن المستوى القرابة العاطفية التي تربطهم بالكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة.

·   خفض المبلغ المالي الذي يستطيع الكوبيون المقيمون في الولايات المتحدة إنفاقه خلال زياراتهم لكوبا من 164 إلى خمسين دولاراً في اليوم. لن يُسمح إلا بمبلغ إجمالي قدره خمسين دولاراً يومياً لنفقات التنقل الداخلي في البلاد خلال الأيام الأربعة عشر التي تستغرقها زيارتهم.

·   إلغاء الإجازة التي كانت تسمح بتوريد منتجات كوبية إلى الولايات المتحدة بقيمة يبلغ أقصاها 100 دولار، وذلك للاستخدام أو الاستهلاك الشخصي. فاصبح ممنوعاً منعاً باتاً على المسافرين القادمين من كوبا أن يُدخِلوا عند وصولهم إلى الولايات المتحدة أي سلعة تم اقتناؤها في كوبا، بغض النظر عمّا إذا كان المعني بالأمر قد اشترى تلك السلعة أو تلقاها كهدية.

·   جعل وزن الحقائب المسموح به للمسافرين حملة التصريح بزيارة كوبا مقتصراً على 44 ليبرة (19.8 كلغ)، إلا إذا سمح "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC)   لهم صراحة بحمل وزن أكبر.

·   إلغاء الإجازات العامة الممنوحة من أجل المشاركة في المباريات الرياضية للهواة وللشبه محترفين التي يتم تنظيمها في كوبا برعاية اتحاد دولي للرياضة. "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) هو الذي يسمح بمثل هذه النشاطات من الآن فصاعداً، وذلك بموجب إجازة محددة وبعد النظر في كل حالة بحالتها. كما أُلغيت إمكانية المشاركة في ورش وعيادات متخصصة، سواءً كانت متعلقة بأنواع الرياضة أو بغيرها من النشاطات.

·        دعم التحركات في بلدان أخرى يأتي منها سائحون إلى كوبا من أجل كبح زيارة مواطنيها للجزيرة.

مع الممنوعات والقيود الجديدة على سفر المواطنين الأمريكيين والكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة، وبما يتناقض مع الإرادة الغالبة في الكونغرس والتي تم التعبير عنها في عمليات تصويت جرت خلال السنوات الأربع الأخيرة، تقوِّض الحكومة الأمريكية من جديد حقوقاً إنسانية أساسية مكرّسة في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، سواءً كان في البيان العالمي لحقوق الإنسان نفسه أم في كلا المعاهدتين الدوليتين. إنه صارخ انتهاك المادة الثانية عشرة من المعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية في ما يتعلق بحرية السفر الذي يحظى به الأشخاص أصحاب الوضع القانوني المشروع في أي دولة كانت، وهو مبدأ جددت الجمعية العامة تأكيدها عليه في قرارها رقم 57/227، تحت عنوان "احترام الحق بالحرية الكونية بالسفر والأهمية الحيوية لجمع الشمل العائلي".

عبر القرار المذكور، دعت الهيئة الأساسية للأمم المتحدة ذات التمثيل الأكبر لجميع الدول إلى ضمان "حرية السفر المتعارف عليها عالمياً لجميع المواطنين من بلدان أخرى المقيمين بطريقة مشروعة في أراضيها"، وجددت التأكيد بأن "جميع الحكومات، وبشكل خاص منها حكومات البلدان المضيفة، يجب أن تعترف بالأهمية الكونية لجمع الشمل العائلي والترويج لإدراجه في تشريعها القومي، وذلك بغية حماية وحدة عائلات المهاجرين بطريقة مشروعة"[3].

لم يتم إخضاع أي شعب لكل هذا القدر من التمييز والتلاعب السياسي الذي أخضعت حكومات أمريكية متعاقبة الشعب الكوبي له في مجال علاقاته المتصلة بالهجرة. فبموجب "قانون الضبط الخاص بالكوبيين" المجرم وغيره من التدابير الحكومية، تُخضع السلطات الأمريكية العلاقات الثنائية المتصلة بالهجرة لمصالحها ونواياها في إثارة الاضطراب والإساءة للثورة الكوبية. فالكوبي الذي يتمكن من الوصول بطريقة غير مشروعة إلى الأراضي الأمريكية –بغض النظر عمّا إذا كان مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة في هافانا قد رفض منحه التأشيرة من أجل الهجرة، أو أنه ارتكب في إطار محاولته غير المشروعة إلى الولايات المتحدة جريمة ما ضد أشخاص أم ممتلكات- يتم استقباله والاعتراف له أوتوماتيكياً بشرعية الإقامة في ذلك البلد.

تثبت الإجراءات المتخذة مؤخراً من قبل إدارة بوش، والتي تفاقم من المعاملة التمييزية بحق المغتربين الكوبيين، أن كل ما تحكيه عن المعاملة التفضيلية التي يحظى بها الكوبيون المهاجرين إلى ذلك البلد بطريقة غير مشروعة، كما أولئك الذين يستفيدون من العدد المحدود من الكوتات المتوفرة للهجرة المشروعة والمنظَّمة، لا يستند إلى دافع إنساني، وإنما إلى تلاعب سياسي.

بالإضافة لكونها تتنافى مع الممارسة الكاملة للحقوق الإنسانية، فإن الممنوعات والقيود على السفر التي تعززها الإدارة الأمريكية عبر هذه الإجراءات، هي ممنوعات وقيود غير مشروعة في إطار القوانين الأمريكية نفسها. فمسألة السفر إلى كوبا لا تندرج ضمن إطار الصلاحيات القانونية الإدارية التي يستطيع رئيس أمريكي تغييرها على مزاجه. وهذا الموضوع أصبح وقفاً على قانون صدر في ذلك البلد منذ عام 2000.

لقد جعلت إدارة بوش تطبيق الحصار على كوبا أكثر شدّة. بل وأن سيناتورات وأعضاء في المجلس التشريعي أعلنوا في نهايات العام الماضي جهراً أن "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC)، يستخدم عدداً من العملاء لمتابعة انتهاكات الحصار على كوبا والتحقيق بها يبلغ خمسة أضعاف عدد الذين يعكفون على تبع أثر تمويل "القاعدة".

بين عامي 1990 و2003 شرع "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) بإجراء 93 تحقيقاً فقط لها علاقة بالإرهاب الدولي، بينما أجرى 10683 تحقيقاً لمنع الأمريكيين من ممارسة حقهم بالسفر إلى كوبا. وبعد الثلاثة وتسعين تحقيقاً المتعلقة بالإرهاب، فرض "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) غرامات على المذنبين تبلغ قيمة مجموعها 9425 دولار. خلافاً لذلك، فرض ما قيمته ثمانية ملايين دولار من الغرامات على مواطنين أمريكيين كانوا قد زاروا الجزيرة بدون الحصول على الإجازات من وزارة المالية.

في تقرير يحمل تاريخ التاسع من شباط/فبراير 2004، ويمكن العودة إليه في صفحة الويب الخاصة "بمكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC)، يهنئ هذا الأخير نفسه لوجود قائمة في تلك اللحظة لدى دائرة الجنح المدنية التابعة له مكونة من مائتي عمل ذي صلة بانتهاكات للحصار على كوبا ولكون أغلبية تلك الأعمال قد انتهت إلى عقوبات مالية. بالإضافة لذلك، أعلن أنه بين العاشر من تشرين الأول/أكتوبر والثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر كان قد تم الإشعار بـِ 348 عملاً جنائياً جديداً بسبب القيام بأعمال من هذا النوع.

أصبح أمراً عادياً أن تجد في الصحافية الأمريكية تقارير ومقالات تتعلق بمحاكمات قانونية تم إخضاع مواطنين أمريكيين لها بسبب زيارتهم لكوبا. ففي شهر نيسان/أبريل 2004، على سبيل المثال، اضطر محالَين أمريكيين للمعاش من ولاية فيرمونت، وهما وولي وباربارا سميث، لدفع غرامة بقيمة 55 ألف دولار. لقد اتهمهما "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) بأنهما قد سافرا إلى كوبا أربع مرات وأنفقا مالاً في الجزيرة وألّفا كتاباً عنوانه "Bicycling in Cuba" نُشر عام 2002.

إن بارانويا ملاحقة مواطنيهم أنفسهم لا تعرف حدوداً. في بدايات شهر شباط/فبراير 2004، أشعَرَ "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) كلا من فريد بوركس وخطيبته بأن عليهما أن يدفعا غرامة تبلغ قيمتها 7590 دولاراً بسبب زيارتهم للجزيرة في شهر كانون الأول/ديسمبر 1999. وفريد بوركس، الذي عمل كمترجم للرئيسين وليام كلينتون وجورج دبليو بوش، رفض أن يسدد هذه الغرامة، وهو الآن بانتظار عقوبة جديدة، ربما تكون أكثر شدة.

وفي شهر آذار/مارس 2003 كان "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" (OFAC) قد أبلغ بأنه لن يجدد الإجازات لزيارات التبادل التعليمي، أي ما يسمى التبادل "بين شعب وشعب". وكمحصلة واضحة لتطبيق هذا الإجراء، سافر إلى كوبا بين شهري كانون الثاني/يناير من العام الجاري وحتى شهر حزيران يونيو عدد من المواطنين الأمريكيين يقل بنسبة 26 بالمائة بالمقارنة مع الذين سافروا إليها خلال ذات الفترة من عام 2003. وفي شهر تموز/يوليو، بعد الإجراءات الجديدة المتخذة من قبل الرئيس جورج دبليو بوش، بلغ التقلص ما نسبته 52.4 بالمائة بالمقارنة مع شهر تموز/يوليو 2003.

من المعروف جداً أنه منذ نحوم خمس سنوات تقريباً تحولت السياحة إلى المصدر الرئيسي لدخول الاقتصاد الكوبي، وأن تطور هذا الاقتصاد قد حرك ديناميكية بقية النشاطات الاقتصادية للبلاد وأن جزءاً كبيراً من المواطنين الكوبيين يكمّل احتياجات قوته اليومي ويتلقى خدمات اجتماعية يتم تمويلها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عبر مسيرة هذه الصناعة. كما هو معروف أيضاً بأن النشاط السياحي خلال العقد الأخير من الزمن قد شهد نمواً سنوياً يبلغ معدله 10 بالمائة بالرغم من الآثار الضارة للحصار ومن الأزمة الاقتصادية العالمية[4]. ليس صدفة  أن تسعى الإجراءات الجديدة إلى تعطيل هذا القطاع الهام من الاقتصاد الكوبي ووضع عراقيل أمامه.

تشير دراسات أجرتها وزارة السياحة الكوبية حول الأثر المحتمل للقيود التي تم الإعلان عنها في السادس من أيار/مايو إلى أن عدد المسافرين الأمريكيين إلى البلاد من شأنه أن يتقلّص بشكل كبير. وحسب تقديرات هذه الوزارة فإن انقباض الدخول لهذا السبب يمكنه أن يتراوح ما بين 27 و38 مليون دولار[5].

في حال المسافرين من أصل كوبي، والذين لا تقيّد الإجراءات الجديدة عليهم عدد المرات التي يستطيعون فيها زيارة بلدهم فقط (من مرة واحدة في السنة إلى زيارة واحدة كل ثلاث سنوات)، وإنما قيمة نفقاتهم في كوبا، قدّر بحث وزارة السياحة أنه عند نهاية عام 2004 من شأن حجم الأضرار التي تلحق بالبلاد أن يبلغ 66 مليون دولار.

باختصار، بسبب الإجراءات المتمادية المذكورة، اعتباراً من الثلاثين من حزيران/يونيو 2004، سيمتنع الاقتصاد الكوبي عن تلقي ما بين 93 و104 ملايين دولار في مجال السياحة هذا دون حسبان الأضرار التي ستنزلها التحركات التي تشجع السلطات الأمريكية على القيام بها في بلدان أخرى من أجل كبح الحركة السياحية نحو كوبا، وهي أضرار لم يتم التمكن حتى الآن من إحصائها.

مزيد من القيود على التحويلات المالية العائلية

هناك إجماع دولي واسع حول ما تترتب عليه من أهمية بالنسبة للتنمية، وخاصة بالنسبة لبلدان الجنوب، التحويلات المالية العائلية الآتية من مغتربيها، وحول ضرورة تقديم جميع الدول، سواء كانت الدول المستقبِلة للتحويلات المالية أم المرسِلة لها، تسهيلات وضمان إجراءات القيام بالعمليات الصارمة لهذا النوع من التحويلات المالية للموارد بين أعضاء العائلة الواحدة الذين يعيشون في بلدان مختلفة[6].

قبل ثلاث سنوات بالكاد، وفي خطاب ألقاه تحت عنوان "التحويلات المالية العائلية كأداة للتنمية"، أكد رئيس البنك عبر الأمريكي للتنمية، إنريكي إغليسياس:

"(...) إن التحويلات المالية العائلية هي تعبير عن الرابط بين مجموعات المهاجرين ومجتمعاتهم الأصلية، وهي وسيلة للتنمية، إذ أن هذه التحويلات تشكل مصدراً هاماً لموارد الرأسمال الممكنة، سواء كان بالنسبة للحكومات أو بالنسبة للعائلات، نظراً لأثرها على صيانة مستويات الرفاهية في البيوت المستقبِلة لها (...)".

وقد بحثت دراسة للبنك عبر الأمريكي للتنمية في نيسان/أبريل 2004 تحت عنوان "Sending Money Home: Remittance To Latin America And The Caribbean" الأهمية الحيوية التي اكتسبها تدفق التحويلات المالية القادمة من الولايات المتحدة بالنسبة لعدد ليس بقليل من اقتصاديات المنطقة؛ وأعلنت عن تقديراتها لكل بلد. جمهورية الدومينيكان، على سبيل المثال، تلقت العام الماضي 2217 مليون دولار، السلفادور 2316 مليون دولار، غواتيمالا 2106 ملايين دولار، وجامايكا 1425 مليون دولار.

في سبيل عرقلة نمو الشعب الكوبي بأي طريقة كانت، أعطت حكومة الولايات المتحدة لنفسها صلاحية الاعتداء عبر هذه الإجراءات الجديدة على أمر بالغ من الطبيعية والحساسية كحال التحويلات المالية والروابط العائلية.

إن توصيات "لجنة المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة" في السادس من أيار/مايو، والتي صادقت عليها تدابير تطبيقها الصادرة عن "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" في السادس عشر من حزيران/يونيو تضيّق رقعة مرسِلي التحويلات المالية ورقعة مستقبليها على حد سواء. أي مواطن أمريكي وكوبي مقيم في الولايات المتحدة كان بوسعه إرسال تحويل مالي إلى كوبا. لا يستطيع فعل ذلك الآن إلا المواطن الأمريكي والكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة الذين لهم أقارب مباشرين في الجزيرة، حسب التعريف التعسفي للعائلة الكوبية الذي أجرته إدارة بوش (الأجداد، الأحفاد، الآباء، الأشقاء، الزوجات، الأبناء).

يُفهم مما سبق أن المواطنين الأمريكيين باتوا محرومين من حق إرسال مال إلى كوبيين أصدقاء لهم وأن الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة سيكونون المهاجرين الوحيدين الذين يُمنعون من إرسال مساعدة اقتصادية لعمةٍ أو خالةٍ متقدمة في العمر أو لابن خالٍ أو خالة أو عم أو عمة، أو لقريب مقرّب آخر أو لصديق، بكل بساطة.

إجراء آخر ينزل الأذى بإرسال التحويلات المالية ويكشف قلة احترام إدارة بوش لكرامة الشعب الكوبي وحقوقه السياسية هو ذلك الذي يمنع الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة من إرسال تحويلات مالية وطرود لذويهم إذا ما كان هؤلاء "موظفين حكوميين أو أعضاء في الحزب الشيوعي". تبعاً للمنطق غير العقلاني لهذا الإجراء يمكن تماماً عرض حالة سيدة مسنّة في السبعين من عمرها تعيش في كوبا، والتي سيكون عليها أن تتخلى عن حقوقها السياسية لكي تتلقى تحويلاً مالياً أرسله لها ابناً لها مهاجراً إلى الولايات المتحدة.

تنص النظم التي أصدرها "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" في السادس عشر من حزيران/يونيو على أن كمية التحويلات المالية التي يستطيع مسافر ذو تصريح بحملها إلى كوبا تخفَّض من ثلاثة آلاف إلى ثلاثمائة دولار.  حتى هذا الموعد كان أي مسافر يزور كوبا بطريقة مشروعة يستطيع أن يحمل معه التحويلات المالية لعدد يصل حتى عشر عائلات كوبية. ولم يكن قليلاً عدد المهاجرين الذين يستخدمون هذه الطريقة.

من الجلي أنه، حتى في الوقت الذي يفترَض بأنها باقية إمكانية مواصلة إرسال نفس المبلغ من الأموال من خلال هيئات مصرفية قائمة وأن يحصلوا على إجازات من وزارة المالية لفعل ذلك، جميع الإجراءات المتعلقة بتضييق عدد المرسِلين والمستقبِلين والسيطرة المطلقة على سبل الإرسال ستنعكس بشكل مباشر على خفض قيمة التحويلات المالية التي يتلقاها المواطنون الكوبيون في نهاية الأمر.

إن القسوة التي يدلّ عليها الحدّ من إرسال التحويلات المالية العائلية يتناقض مع إرسال موارد لا حدود لها، حسبما يؤكّد التقرير نفسه، إلى المرتزقة الذين ينشطون في خدمة مصالح حكومة الولايات المتحدة داخل كوبا وعائلاتهم.

وتشمل أيضاً إجراءً آخر على نحو خاص من البغض، ويذكّر بممارسة "الوشايات" التي كانت تروّج لها الزمر الهتلرية من أجل زيادة فاعلية حملات اعتقالها ثم قمعها لليهود والشيوعيين. فقد قررت إدارة بوش دفع "مكافآت" للذين يبلغون عن "منتهِكين" للتدابير الجديدة. وليس هذا فحسب، بل أنها ستنظم "عمليات سرية" يقوم بها عملاؤها الفدراليون من أجل تحييد وقمع أي نشاط "ينتهك" القيود المفروضة.

عدد متزايد من الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة لا يتفق مع عداء الحكومة الأمريكية لكوبا، وبودّه إقامة علاقات منسابة وطبيعية مع بلده الأصلي وذويه، من دون أن تقيّده تهديدات ووشايات وإجراءات قمعية.

كما أن الإجراءات الجديدة التي تقيِّد إرسال التحويلات المالية والطرود تتنافى من الحسّ الغالب في المجلس التشريعي الأمريكي الذي أقرّ في السنوات الأخيرة مقترحات تدعو لإلغائها. ففي السابع من تموز/يوليو الماضي، على سبيل المثال، أقرّ مجلس النواب بأغلبية 221 صوتاً مقابل 194 تعديلاً بهذا الصدد قدّمه النائب جيف فليك (جمهوري عن أريزونا) على قانون التخصيصات لوزارات التجارة والعدل والخارجية والقطاع القضائي للعام المالي 2005.

مزيد من المضايقة في الخارج

تستخدم السلطات الأمريكية حق كل بلد في اختيار الأطراف التجارية المقابلة له كذريعة للإبقاء على سياسة الأذى الاقتصادي التي تمارسها من جانب واحد. غير أنه في حال الحصار على كوبا يضحي جلياً أن تطبيق هذه السياسة يتجاوز أضعافاً مضاعفة مجرّد رفض شريكٍ تجاريٍّ ما.

إن سياسة الحصار ضد كوبا هي سياسة على نحو بالغ من العدوانية والنشاط في ما يتعلق بكبح وملاحقة الاستثمارات الأجنبية وأي نوع من العلاقات التجارية والمالية تقيمه البلاد مع بقية العالم. فقد أقرت الحكومة الأمريكية الحالية كامل مقترحات ما تسمى "لجنة المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة" في ما يتعلق بتعميق الفاعلية والنطاق الخارجي للإجراءات الرامية لخنق الاقتصاد الكوبي.

في الفصل الأول من التقرير المخصّّص للإجراءات الرامية للإطاحة بالثورة تمت التوصية "بالتطبيق الحازم" للعقوبات الواردة في الباب الرابع من "قانون هيلمز-بيرتون "، الذي يمنع منح تأشيرات دخول إلى أراضي الولايات المتحدة لمستثمرين أجانب في كوبا. بل وأنه تقرر تخصيص موارد إضافية  ومزيداً من الموظفين للسهر على تطبيق هذه التدابير التي ينص عليها القانون.

بالإضافة لذلك، حث التقرير السلطات الأمريكية على إجراء دراسة صارمة تقيّم فيها ما إذا كان تطبيق الباب الثالث من قانون هيلمز-بيرتون يتناقض مع المصالح الأمريكية أو إذا ما كان يمكن لتطبيقه أن يعجّل  من سقوط الثورة الكوبية. ويدعو في الواقع العملي إلى إمكانية إجراء محاكمات قضائية في محاكم أمريكية بحق رجال أعمال من بلدان أخرى يبرمون صفقات تجارية مع كوبا، وهو أمر كان قد تم الأخذ بتأجيله حتى الآن، وذلك بفضل الضغط الدولي.

على هذا الصعيد تنص الإجراءات الجديدة كذلك على النظر في حالات البلدان واحداً واحدا، وربما يكون ذلك في سبيل فرض معايير انتقائية للمعاقبة وتقسيم صفوف الأسرة الدولية في رفضها لتطبيق إجراءات قانون هيلمز-بيرتون التي تتجاوز حدود الولايات المتحدة.

بعد أيام قليلة من الإعلان عن الإجراءات الجديدة المعادية لكوبا، عادت وزارة الخارجية لشحذ آليات تهديدها وابتزازها الموجهة ضد المستثمرين في كوبا.

في العشرين من أيار/مايو الماضي تلقى رئيس الشبكة الفندقية الجامايكية "سوبر كلوب" (Super Club) بلاغاً مريباً من وزارة الخارجية الأمريكية. يتم تذكيره في الوثيقة بأن أحد عقوده الموقعة مع كوبا للإدارة الفندقية يتنافى مع ما ينص عليه قانون هيلمز-بيرتون ، وأنه لهذا السبب يُمكن أن يتم رفض منحه هو وعائلته تأشيرة السفر إلى الولايات المتحدة. كما تم تذكيره بأنه في حال دخول الباب الثالث من القانون المذكور حيز التنفيذ، يمكن له أن يتعرض لأضرار كبيرة، كون الباب المذكور ينص على إجراء محاكمات قضائية بحق أولئك المستثمرين أو رجال الأعمال الأجانب الذين "يتاجرون" بممتلكات تمت "مصادرتها" في كوبا بعد عام 1959 من أمريكيين أو كوبيين يحملون الجنسية الأمريكية.

كمحصّلة لذلك قررت شبكة "سوبر كلوب" إلغاء عقد الإدارة الموقع قبل ذلك بعدة أشهر مع المجموعة الفندقية الكوبية "غافيوتا ش.م." (Gaviota S.A.) لإدارة فندق "لاس دالياس"، الواقع على بلاج بيسكيرو، محافظة أولغين.

مع أن الشركات الكوبية التي تقوم بعملياتها في السوق الدولي تفعل ذلك بشخصية قانونية واضحة وبتسجيل قانوني يفي بدقة بالشروط التي ينص عليها قانون البلدان التي تقيم فيها وتنفذ نشاطاتها على أراضيها –وهذه النشاطات هي نشاطات قانونية بشكل مطلق في جميع الحالات وتحترم تماماً النظم والأعراف المعمول بها دولياً-، يصر تقرير ما تسمى "لجنة المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة" على مضايقة وعرقلة عمل هذه الشركات. وعلى هذا الصعيد يوصي "بتحييد الشركات الوهمية التي هي في الواقع ملك الحكومة الكوبية"، ويقترح لهذه الغاية تشكيل "لجنة تقييم ممتلكات"، تكرَّس للتحقيق في الطرق الجديدة التي يتم بها إدخال وإخراج العملة الصعبة من كوبا.

بل وأنه قبل الإعلان عن الإجراءات الجديدة المعادية لكوبا، كانت إدارة بوش قد قامت بخطوات لعرقلة علاقات بلدنا مع مؤسسات مصرفية مختلفة في العالم، وعلى هذا النحو محاصرة الدخول التي تحصل عليها كوبا على شكل عائدات سياحية وتحصيل للدولارات من خلال محال البيع بالعملة الصعبة وغيرها من النشاطات وتودعها في مصارف أجنبية.

عبر هذه الطريقة تضغط الحكومة الأمريكية لكي لا ترضى المصارف لأجنبية بتبديل الدولارات الأمريكية التي تدخل كوبا بعملات أخرى. عملية صرف وتحويل العملة الصعبة هي عملية لا بد منها بالنسبة للدولة الكوبية، حتى من أجل القيام بعمليات استيرادها للمواد الغذائية والأدوية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحصار يمنع الأجانب الذين يزورون كوبا من استخدام بطاقات الاعتماد أو صكوك المسافرين التي تصدرها مصارف أو هيئات مالية أمريكية أخرى، وهي بالذات المصارف والهيئات التي تسيطر على هذا السوق. إرسال التحويلات المالية ومدفوعات الزائرين الأجانب  يجب القيام بها في الجزيرة نقداً في معظم الحالات.

يتم الاستخدام المباشر لهذه الأرصدة، القادمة من مصادر مشروعة على الإطلاق، لأهداف من بينها شراء المحروقات وغيرها من المستلزمات ذات الحاجة الماسّة لعمل الاقتصاد الوطني، ومن أجل التحسين التدريجي لغذاء الشعب وفي سبيل مواصلة ضمان وتحسين حصول الكوبيين عامة على خدمات أساسية ذات جودة في مجالات التعليم والصحة والرعاية والحماية الاجتماعية.

نقاط وتقييمات أخرى لا بدّ منها

يوصي تقرير "لجنة المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة" بتخصيص أكثر من 59 مليون دولار إضافية لزيادة الحملات الدولية ضد كوبا ولتمويل أعمال التحريض الداخلي والمرتزقة المسجلين ضمن لائحة مستَخدمي مكتب رعاية مصالح الولايات المتحدة لدى هافانا والذين تصفهم نفاقاً في الوثيقة "بمعارضة سياسية".

وفي ما يشكل ذروة الخزي، يتم السعي بحفز الضلوع المتآمر للأسرة الدولية في حشد وإيصال موارد من أجل تمويل وتجنيد مرتزقة جدد يلتحقون بالطابور الخامس لسياسة واشنطن المعادية لكوبا. على هذا النحو، يحث التقرير على "تعاون" بلدان أخرى في تشكيل "صندوق دولي لحماية وتطوير المجتمع المدني في كوبا".

ينص التقرير كذلك على استخدام أموال المساهمين الأمريكيين في تمويل برامج منح جامعية، وذلك بالتعاون مع منظمة الدول الأمريكية "لكي يتمكن أبناء المنشقين –والمقصود هنا المرتزقة- من تلقي علومهم في جامعات أمريكية لاتينية".

كما أنه انطلاقاً من خطوط العمل المعروضة في التقرير، تحفز حكومة الولايات المتحدة تمويل مشاركة منظمات غير حكومية من بلدان أخرى في حملات كبح الرحلات السياحية إلى كوبا –وهي ممارسة عكفت منظمة "مراسلون بلا حدود" على تنفيذها كرائدة، بموجب توجيهات وتمويل من وكالة السي آي إيه والمافيا الإرهابية في ميامي- وفي حملات الدعاية والأكاذيب ضد كوبا.

كما ينص التقرير على تخصيص خمسة ملايين دولار لإحياء ندوات ومؤتمرات في بلدان أخرى تكرَّس للترويج "لعملية الانتقال" في كوبا. أي تأمين الأموال لكي يتمكن أولئك المستفيدين من تجارة الثورة المضادة في كوبا من مواصلة الاستمتاع بالأزواد الكبيرة والمتع في فنادق فاخرة والسفر في أنحاء العالم في الدرجة الأولى.

إجراء آخر استفزازي وبالغ الخطورة هو ذلك الذي يقضي بتخصيص ثمانية عشر مليون دولار لبث ما يسميان زوراً تلفزيون وراديو "مارتيه" من خلال طائرة من طراز "سي-130" (بدون طيار) تابعة لسلاح الجو الأمريكي، مما يشكل استفزاز غير مسؤول وغير مشروع ينتهك القانون الدولي والأعراف العالمية للطيران والاتصالات السلكية واللاسلكية. وخلال شهر آب/أغسطس 2004 تم الشروع بتنفيذ هذا التصعيد العدواني الإذاعي الإلكتروني ضد الشعب الكوبي.

تحت قناع "المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة" الفظ، يفصّل التقرير الذي وافق عليه الرئيس جورج دبليو بوش بدقة الإجراءات التي من شأن واشنطن أن تفرضها إذا ما وصل الأمر ببلدنا للوقوع في قبضتها. سيكون المجتمع الكوبي بأسره خاضعاً للولايات المتحدة، التي ستسيطر على كل النشاطات وعلى كل واحد منها بدون استثناء. من شأنه أن يكون طويلاً ولا نهاية له العرض الشامل لمثل هذا التدخل المفرط. نذكر في ما يلي  بعض جوانب الخطة الأمريكية التي تعطي فكرة عن مدى العبودية والاستغلال اللذين سيتم إخضاع الكوبيين لهما.

§   واحدة من الخطوات الأولى التي يجب أن تشرع بها ما تسمى "الحكومة الانتقالية" هي إعادة الممتلكات إلى مستثمريها السابقين، بما فيها المساكن والأراضي التي تطمع بها المافيا الباتستية والإلحاقية.

§   ستتم خصخصة جميع فروع الاقتصاد، والتي توضع تحت إدارة لجنة دائمة تابعة لحكومة الولايات المتحدة من أجل "إعادة البناء الاقتصادي" والتي يزمعون تشكيلها على الفور.

§        ستُلغى المعونات الرسمية وكذلك سيُلغى الإشراف على أسعار السلع والخدمات التي يتلقاها المواطنون.

§        يُحلّ نظام الضمان والرعاية الاجتماعية ولا يتم احترام دفع بدل التقاعد والإعاشة.

§        يتم إحلال الخصخصة في الخدمات الصحية والتعليمية.

لغاية مقصودة هي الإساءة لسمعة ومكانة إنجازات الشعب الكوبي التي لا يشك بها أحد وتحظى بالاعتراف العالمي في مجالي التعليم والصحة العامة، يذكر التقرير بأنه كجزء من "عملية الانتقال" التي سيتم فرضها في الجزيرة يأتي إقامة مؤسسات وخدمات تحسِّن الصحة والتغذية والتعليم والخدمات الاجتماعية، وذلك من خلال إدخال ممارسات "الشركة الخاصة". بل وأن الأمر يصل حد التفكير بحفز اضطلاع وكالات وصناديق وبرامج الأمم المتحدة في هذه الخطط.

يتجاهل التقرير بأن إعطاء الصفة التجارية وخصخصة هذه الخدمات الاجتماعية الأساسية –التي يجب أن تكون من حق كل أبناء البشر- قد تم على حساب توسيع تغطية الرعاية الصحية وتحقيق هدف التعليم للجميع في بلدان كثيرة من العالم، بما فيها الولايات المتحدة، حيث يفتقد 44 مليون شخصاً للتأمين والعناية الصحية المضمونة.

إن نظامي الصحة والتعليم في كوبا، بالإضافة لتحقيقهما التغطية الشاملة والمجانية رفيعة الجودة منذ سنوات كثيرة، يخضعان اليوم لعمليات عميقة من التحسين من حيث مفهومهما وبنيتهما التحتية، وذلك بغية مواصلة تطويرهما[7].

يصل التقرير إلى حد التفاهة في الاقتراح أن يتم، خلال فترة "العملية الانتقالية" العتيدة، تطعيم جميع الأطفال الذين هم دون الخامسة من العمر والذين لم يلقَّحوا بعد ضد أمراض الأطفال الرئيسية. هذا الطرح هو هراء بكل بساطة مع علم العالم والسلطات الأمريكية خاصة تمام العلم بأن جميع أطفال كوبا يتم تلقيحهم ضد 13 مرضاً قبل بلوغهم السنتين من العمر، وهو أمر لا تستطيع سلطات واشنطن تأمينه لأطفالها أنفسهم[8].

ذروة النفاق هي أنه في ذات الوقت الذي يتم فيه إقرار هذا الإجراء، تُمنع كوبا من اقتناء لقاحات من إنتاج شركات أمريكية. ومؤخراً، فرضت وزارة المالية الأمريكية غرامة على الشركة البيوتكنولوجية الأمريكية "شايرون كوربوريشين" (Chiron Corpotation)، التي اضطرت لدفع مبلغ 168 ألف دولار، وذلك لمجرد قيام إحدى شركاتها الفرعية ببيع كوبا نوعين من اللقاحات للأطفال الكوبيين بين عامي 1999 و2002. وكانت هذه أكبر غرامة دفعتها هذه السنة شركة أمريكية الأصل.

لو كانت إدارة بوش مهتمة فعلاً بحماية صحة الأطفال الكوبيين يمكنها الاكتفاء برفع العثرات والعقبات التي تمنع كوبا من شراء لقاحات الأطفال أو غيرها من الأدوية، مثل  المنظِّمات الخلوية التي لا غنى عنها في معالجة عدة أنواع من السرطان يعاني منها أطفال كوبيون.

كتعبير نزيه عن الحس الإنساني عند الشعب الكوبي، في الوقت الذي تحمل فيه القوى الإمبريالية المسيطرة على الحكومة في واشنطن القنابل والموت والعذاب والتعذيب إلى عدة بلدان في العالم، يقوم أكثر من عشرين ألف طبيب وأخصائي وأطقم طبية كوبية بإنقاذ أرواح مئات الأشخاص يومياً، بمن فيهم كثير من أطفال، في 64 بلداً من العالم.

في الحادي والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، وكرد على الإجراءات المعادية لكوبا التي شرعت حكومة الولايات المتحدة بتطبيقها، عرض الرئيس فيدل كاسترو على الحكومة الأمريكية علناً إمكانية معالجة ثلاثة آلاف مواطن أمريكي فقير في الجزيرة، وهو ذات عدد الأشخاص الذين قضوا في الاعتداء على البرجين التوأمين في نيويورك في شهر أيلول/سبتمبر 2001.

هذا العرض، المستلهَم من الروح التضامنية التي يتميّز بها الشعب الكوبي، يشمل تقديم الرعاية الطبية المجانية لإنقاذ أرواح هؤلاء الأمريكيين خلال مدة خمس سنوات.

لقد أحرزت كوبا قفزات هامة في خدمة رفاهية شعبها، وذلك في ظروف من ندرة الموارد، وبمساعدة خارجية محدودة جداً للتنمية، وغياب القروض اللينة، وفي خضم معركة مفتوحة للمقاومة في وجه الحصار الاقتصادي والمالي والتجاري الهمجي الذي فرضته حكومات الولايات المتحدة عليها على مدى أكثر من أربعين سنة.

يتم في التقرير الذي تبنّاه الرئيس جورج دبليو بوش في السادس من أيار/مايو الماضي الوصول إلى ذروة النزعة التدخلية الإمبراطورية وذلك حين تقترح السلطات الأمريكية على نفسها المساهمة في إقامة مؤسسات سياسية جديدة وصياغة القوانين والنظم، وحتى دستوراً جديداً للجمهورية حالما تمكنت من تدمير الثورة الكوبية. وكل شيء معدّ طبعاً على قياس نهم وأطماع الرأسمال الأمريكي.

إن الكوبيين يتذكرون جيداً جداً –وباستياء كبير- كيف أنه بعد أول تدخل عسكري أمريكي في الجزيرة (1898-1902)، فرضت الحكومة الأمريكية وصاية مهينة على ولادة أول دستور لها. فقد فُرض على ذلك الدستور كملحق "تعديل بلات" المذلّ، وهو تعديل من بين ما ينص عليه من ضلال يأتي منح الولايات المتحدة حقاً كاملاً بالتدخل في كوبا حين تشعر بوجود خطر على مصالحها. وقد وضع هذا التعديل الأساس "القانوني" لإقامة القاعدة البحرية، التي تشغل بطريقة غير مشروعة جزءاً من أراضي محافظة غوانتانامو الكوبية، حيث تقام معسكرات اعتقال حقيقية يجري فيها ارتكاب أسوأ الأعمال الوحشية وأشدها انتهاكاً لحقوق الإنسان[9].

مع أنه لا ينبغي الاستخفاف بالأثر الذي أمكنه أن يترتب على وضع سنة انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة بالنسبة لإقرار وعرض تقرير "لجنة المساعدة على الوصول إلى كوبا حرة"، من الهام الإبراز بأن الإجراءات الجديدة التي يحتوي عليها هذا التقرير، تتجاوز حدود الدوافع الانتخابية وتندرج بانسجام في منطق تصعيد العداء والاعتداءات الذي تتميّز به سياسة إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تجاه كوبا.

إن الحقيقة بالنسبة للشعب الكوبي هي أن الحصار قد تشدد، ومع هذا الحصار وتشديده تزداد الصعوبات اليومية وتتعمق العراقيل وتتعطل خطط تنميته الاقتصادية-الاجتماعية، ويتهدد على نحو خطير حقه بتقرير المصير. إنه يتم اللعب بمصير شعب مقابل حفنة صغيرة من الأصوات في فلوريدا.

على العكس من ذلك، يمكن أن يكون لإجراءات الرئيس جورج دبليو بوش فعلاً عكسياً بالنسبة لتطلعه لإعادة انتخابه. فيوماً بعد يوم يزداد عدد المواطنين الأمريكيين من أصل كوبي وعدد مواطنين آخرين من ذلك البلد الذي يقتنعون بضرورة وضع حد للسياسة المعتوهة والعدوانية المعادية لكوبا التي يمارسها الفريق الفاشي المرافق للإدارة الجمهورية الحالية، والذين يمكنهم أن يعبّروا في صناديق الاقتراح عن استيائهم هذا.

إن التقرير المقدَّم والإجراءات المقرّة تشكل برنامجاً وقحاً يرمي للإطاحة بالعملية الثورية ولإعادة استعمار كوبا، وذلك في ازدراء صريح للمبادئ المكرّسة في القانون الدولي وفي ميثاق الأمم المتحدة.

2.        طابع سياسة الحصار المتجاوِز لحدود البلد الذي يمارسها.

منذ اللحظات الأولى من الأخذ بسياسة الحصار المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على كوبا، كان لهذه السياسة طابعاً يتجاوز حدود البلد الذي يمارسها. وقد شكل انتهاك مبادئ القانون الدولي السارية، وبشكل خاص حق البلدان السيّدة بممارسة علاقاتها الاقتصادية والتجارية والمالية بدون تدخل خارجي، أمراً ثابتاً على مدى الخمس وأربعين سنة من وجود سياسة الإبادة هذه.

وانعدام أخلاقية وعدم شرعية رسالة الحكومات الأمريكية المتوالية في وصف الحصار بأنه مسألة ثنائية بين البلدين يتكشّفان عند تحليل مضامين قانون توريسيللي وقانون هيلمز-بيرتون ، وكذلك التشريعات التي سبقتهما، والتي ترتبت على تطبيقها دائماً انتهاكات لسيادة بلدان أخرى[10].

يكفي مجرد الإشارة إلى أنه في موعد مبكّر جداً هو الثلاثين من آب/أغسطس 1961، وفي مذكرة موجهة للرئيس كندي من قبل مستشاره للشؤون الكوبية، ريتشارد غودوين، يقال: "من واجبنا تشديد الرقابة على التجارة الكوبية مع بلدان أخرى، وبشكل خاص مع الشركات الأمريكية الفرعية في بلدان أخرى؛ وذلك في سبيل استخدام أساليب غير رسمية تُعنى بحرف وجهة هذه التجارة، مما يجرّد كوبا من الأسواق ومن مصادر التموين"[11].

لقد طبّقت حكومة الولايات المتحدة في ذلك الحين واليوم على حد سواء قانونها على نحو يتجاوز حدود أراضيها وشنّت وما تزال عملية ملاحقة شرسة لأي شركة  أو مؤسسة تجارية أو مصرفية تقيم علاقات اقتصادية أو تجارية أو مالية مع كوبا، أو لمجرد عقدها النية على ذلك.

الأضرار الناجمة عن هذه الإجراءات انعكست على جميع جوانب الحياة الاقتصادية للبلاد. هناك ما يكفي من الأمثلة التي تثبت ذلك. نعرض فيما يلي البعض منها الأحدث عهداً:

- أُلغي استيراد لقاح مضاعفة الفعل أربع مرات للتمنيع الحيواني كانت شركة "إنترفيت" (Intervet) الهولندية تزوّد كوبا به، وذلك بسبب تبليغ الحكومة الأمريكية لتلك الشركة بالخطر الذي تتعرض له بسبب مبيعها لكوبا. يحتوي هذا اللقاح على عشرة بالمائة أو أكثر من مولّد للمضادات يُنتَج في الولايات المتحدة. فقد تم تبليغ المسؤولين التنفيذيين لشركة "إنترفيت-هولندا" بأنه في حال مواصلتهم لتلك المبيعات يمكن فرض غرامة كبيرة المبلغ عليهم، وما هو أسوأ من ذلك، يمكن إغلاق فرعهم في أراضي الولايات المتحدة.

- تم الكشف عام 2002[12] كيف أن شركة "كسيروكس" (XEROX)، وهي فرع في زيوريخ، كانت قد رفضت تجديد عقد "leasing" لآلة تصوير مستندات لسفارة كوبا في سويسرا. هذا المثال الذي يبلغ ما يبلغه من التفاهة على نظم الحصار التي تتجاوز حدود البلد الصادرة عنه، تكرّر في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2003، ولكن هذه المرة في أسونسيون، باراغواي. فبعد الاتفاق على كل التفاصيل لشراء آلة ناسخة من نوع "كسيروكس"، أشارت ممثلية هذه الشركة لسفارة كوبا في تلك العاصمة إلى أنه ليس بإمكانها بيعها لها بسبب قيود الحصار.

أمام هذا الرفض توجهت السفارة الكوبية إلى ممثلية شركة "ريكوه" (RICOH) للقيام بعملية الشراء. وفشلت هذه العملية مجدداً، إذ أن الشركة رفضت بيع الجهاز متذرّعة بالقيود التي يفرضها الحصار.

- إذا ما كان للمثال السابق أن يبدو تافهاً، فإن ما حدث في العاشر من أيار/مايو 2004 في إيرلندا لا يوصف. في ذلك الموعد، رفضت شركة "Hitachi Printing Solutions Europe" بيع السفارة الكوبية في ذلك البلد خرطوش حبر لآلة طابعة، بحجة أنها شركة فرعية لشركة أم أمريكية، الأمر الذي يمنعها من بيع تلك السلعة لكوبا.

- أعلنت شركة "برينتاغ كندا إنك." (Brentag Canada Inc.) الكندية أنه اعتباراً من السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2004 لن يكون بوسعها مواصلة تزويد مواد كيماوية تتجه إلى كوبا، وذلك بسبب شراء تلك الشركة من قبل الشركة الأمريكية "Bain Capital U.S.A."، والتي ادعت أنه استناداً لما ينص عليه قانون هيلمز-بيرتون ، فإن جميع مبيعات منتجات "برينتاغ" المتجهة إلى كوبا يجب أن تتوقف. من بين المنتجات الكيماوية المتضررة لهذا السبب يأتي "Abapet"، وهي مادة مخفّفة تستخدمها شركة النفط الكوبية "كوبيت" (Cupet) لتخفيف النفط المستخرَج من آبار في البلاد، باعتباره نفطاً يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، كما هو معروف. تجدر الإشارة إلى أن شركة "كوبيت" كانت تشتري سنوياً نحو 270 طناً مترياً من هذا المنتج.

- مع شراء الشركة الأمريكية "Harbinson Walker Refractories" لشركة "Refractarios Mexicanos"، وهي شركة مكسيكية كانت تزود البلاد بألواح الطوب المقاوِمة للصهر التي تُستخدم لأفران الإسمنت، منعت عرض أي نوع من المواد المقاومة للصهر على الشركات الكوبية من هذا القطاع، الأمر الذي استلزم البحث عن هذه الموادّ في أسواق أخرى، بما يترتب على ذلك من خسائر مالية.

- خلال عامي 2003 و2004 واصل النظام المصرفي الوطني بذل الجهود، غير المجدية حتى الآن، في سبيل شراء قطع الغيار الضرورية لإصلاح تسعين صرّافاً آلياً تم شراؤها عام 1997 من الشركة الفرنسية "بول" (BULL).

كجزء من برنامج تحديث النظام المصرفي الكوبي، تم قبل سبع سنوات التعاقد مع هذه الشركة لشراء أكثر من 400 صرّاف آلي لتسهّل على المواطنين سحب النقد كمدفوعات رواتب وبدل تقاعد وغيرها من الخدمات. غير أنه لم يكن بالإمكان إلا شراء تسعين منها، بقيمة تصل إلى حوالي تسعة ملايين فرنك فرنسي، إذ أن شركة "بول" قامت عام 2000 ببيع المنشأة التي كانت تُصنع فيها آلات الصراف لشركة "دييبولد" (Diebold) الأمريكية، مما ترتب عليه اتخاذ إجراء بمنع أي صفقة أخرى لكوبا.

- كان "مركز الأبحاث المتعلقة بالأوزون"، التابع للمركز الوطني للأبحاث العلمية، بحاجة لشراء قارئ صُفَيحات دقيقة تصنعها شركة "MOLECULAR DEVICES" الأمريكية بسعر 27 ألف دولار. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن التعاقد مع تلك الشركة مباشرة على شراء الجهاز المذكور، تم اتخاذ القرار بشرائه من خلال الشركة الإنكليزية "راندوكس" (RANDOX)، بالرغم من تسبب ذلك بارتفاع السعر بنسبة 25 بالمائة. لم يتم التمكن من إجراء تلك العملية، إذ أن ممثل هذه الهيئة في كوبا أشار إلى أنه ممنوع القيام بدور وسيط بسبب الحصار، إذ أن حكومة الولايات المتحدة ترغمه على الإفصاح عن الوجهة التي ستذهب إليها السلعة.

- كما سبق وأشير في هذا التقرير أيضاً، في التاسع من شباط/فبراير 2004 أعلنت وزير المالية الأمريكية من ميامي أن "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية" قد تعرّف وحاصر عشر هيئات كُشف بأنها "ملك الحكومة الكوبية أو تسيطر عليها حكومة كوبا أو مواطنين من هذا البلد. ويشمل ذلك هيئات مكوّنة ومستقرة في كل من الأرجنتين وبهاما وكندا وتشيلي وهولندا والمملكة المتحدة". سبب هذا الحصار، حسب "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية"، هو أن هذه الشركات قد انتهكت عقوبات الحصار باستخدامها شبكة "إنترنيت" للقيام بالدعاية وبيع رحلات سياحية إلى كوبا للجمهور الأمريكي.

أحد الأمثلة على ذلك هو أن حكومة الولايات المتحدة قد جمّدت ممتلكات جمعية "هولا صن هوليديز ليميتيد" (Hola Sun Holidays Limited)، ومقرها كندا، بسبب "ترويجها لرحلات غير مشروعة لكوبا بين مواطنين أمريكيين". وهذا القرار "يجمّد كل ممتلكات" الشركة في أيدي أشخاص يخضعون لقانون الولايات المتحدة، وفي ذات الوقت يمنع كل شخص يخضع لهذا القانون من الشروع بعمليات مع الشركة المذكورة بدون إذن مسبق من "مكتب الإشراف على الممتلكات الأجنبية".

الحجة المستخدَمة هي أن عملاء من الولايات المتحدة قد اعترضوا سبيل مسافرين بدون تراخيص، ممن اقتنوا تذاكر سفرهم من الوكالة المذكورة.

من العواقب الأخرى المباشرة لهذه الإجراءات تأتي تلك التي تعرضت لها شركة "يونيفيرسو" (Universo) الكوبية، التي تلقت مكالمة هاتفية من شركة "نيتجيرو" (NETGIRO) السويدية، المكلفة التحقق من عمليات التجارة الإلكترونية التي تجريها مجموعة شركات "كوباناكان" (Cubanacán) وتنفيذها، لتبلغها أنه بسبب إدراج هذه الهيئة مؤخراً ضمن "القائمة السوداء" الصادرة عن وزارة المالية الأمريكية، فإنها تلغي من جانب واحد العقود الموقعة مع "كوباناكان" وتضع يدها على جميع الأرصدة من أجل تغطية المطالبات المحتملة من جانب أطراف أخرى.

- كدليل على أثر الحصار الذي يتجاوز الحدود، خسرت شركة "أسينوكس ش.م." (ACINOX S.A.) العديد من زبائنها مستوردي إنتاجها من الفولاذ على الكربون، وذلك بسبب القيود الموضوعة على النشاط التجاري مع شركات كوبية. أمر مشابه حدث مع زبائن الفولاذ الكوبي غير القابل للصدأ، وذلك بسبب منع الولايات المتحدة استيراد أي سلعة تحتوي بشكل كلّي أو جزئي على مركّب يدخل النيكل الكوبي في صناعته.

- شركة "بريك براذرز" (BRAKE BROS.)، المكونة أيضاً من "كاريجيل" (CARIGEL) و"سي إي أس" (C.E.S.)، وهي زبون ثابت للمنتجات الكوبية من جراد البحر الكامل المطبوخ وذنب جراد البحر، تم شراؤها من قبل بنك أمريكيّ الاستثمار. ولهذا السبب تلقت تعليمات بأن تشطب من عروضها المنتجات كوبية المنشأ. عاد هذا الوضع على اقتصاد البلاد بخسائر تبلغ نصف مليون دولار.

- في الحادي عشر من آذار/مارس 2004، في مقابلـة أجرتهـا شبكة "في أس بي تي في" (VSB TV) مع القنصل العام الأمريكي في برمودا، دينيس كولمان، اتهم هذا حكومة برمودا بالترويج للعلاقات الاقتصادية مع كوبا، وأشار إلى أنه يمكن لهذا أن يتم على حساب العلاقات مع بلاده. ومردّ التهديد الأمريكي هو الشروع بالقيام برحلات فنية منتظمة بين كوبا وبرمودا، والافتراض بأن من شأن ذلك أن يسمح للمواطنين الأمريكيين بانتهاك نظم الحصار. في هذه الحالة، يتم بشكل مباشر وعلني تهديد حكومة أجنبية بسبب إقامتها علاقات تجارية مع حكومة أخرى، وذلك لمجرّد التقدير بأن الاتفاقات المبرمة بين شركتين يمكنهما أن تساهم في رفع عدد رحلات المواطنين الأمريكيين إلى كوبا.

- في بدايات 2004 شهدت شركة "إليكا" (ELEKA) الكوبية، المنتجة لموصِّلات إلكترونية، انخفاضاً حاداً بمؤنها من البوليثلين شديد الكثافة (PE)، وهي مادة تُستخدَم في عزل الأسلاك الهاتفية. هدّد هذا الوضع تنفيذ عقد هام مع شركة الاتصالات السلكية واللاسلكية الكوبية (ETECSA). ومن خلال شبكة إنترنيت، عثرت شركة "إليكا" على بعض النوعيات من "بي إيه إكيستار" (PE EQUISTAR) و"بي إي دوو" (PE DOW) اعتبرتها لجنة خبرائها بأنها تتلاءم مع احتياجات الإنتاج، فأجرت اتصالاً مع إداريي شركة "إيه إي أس إي" (AESE) [استشارة متخصصة في أنظمة التشكيل بالبثق] الذين، بالإضافة لكونهم مموّنين للشركة، هم واسعي الاطلاع في هذا المجال. بدأ الإداريون المذكورون العمل مع من يربطهم بهم الاتصال، أولاً مع "إكيستار" الأمريكية ثم مع "سي تي أس" (CTS) الكندية.

في حال شركة "إكيستار"، رغم أن التبادل الأولي للمعلومات مع الوسيط كان يجري على ما يرام، فإن إدارييها قالوا بعد إعادتهم النظر في العملية بأنهم على غير اهتمام بالتزويد بهذه المادة الأولية. وبشكل يصعب على نحو أكبر فهمه، رفضت الشركة الكندية "سي تي أس" أيضاً عرض البوليثيلين شديد الكثافة، واقترحت بأن تتم العملية مع "إكيستار". من الواضح بأن تلك الشركتين، وعندما راودهما الشك بأن الوجهة النهائية لمنتجهما يمكن أن يكون كوبا، قررتا عدم التقدم في عملية التفاوض.

كما سبق وأُعلن في هذا التقرير، في بدايات شهر أيار/مايو 2004 فرض الاحتياط الفدرالي للولايات المتحدة غرامة بقيمة 100 مليون دولار على أكبر هيئة مالية سويسرية، وهي "يو بي أس إيه جي" (UBS AG) بسبب انتهاكها للعقوبات الاقتصادية المفروضة على كل من كوبا  وليبيا وإيران ويوغسلافيا. لقد تم اتهام المصرف السويسري بإرسال دولارات إلى هذه البلدان بينما كان يدير مركزاً تجارياً في مركزه الأم في زيوريخ، بموجب عقد مع الاحتياط الفدرالي.

ولكن، ما الذي يتخفّى في الواقع وراء هذه العقوبة على البنك السويسري؟ عبر استخدام الأسلوب الأكثر ما يمكن تصوره من ضلال وغدر ونفاق، تسعى الحكومة الأمريكية لمنع كوبا من التمكن من استخدام مصارف أجنبية لإيداع ما تحصل عليه من الدولارات جراء مبيعاتها في محال التجارة بالعملة الصعبة والنشاطات المتعلقة بالسياحة وغيرها من النشاطات التجارية. على هذا النحو لا يكون بوسع كوبا استخدام هذه الدولارات لشراء أدوية ولا مواد غذائية ولا لاستيراد المؤن الضرورية لمحلاتها، حيث يشتري المواطنون ما يحتاجونه من منتجات، بمن فيهم أولئك الذين يتلقون تحويلات مالية عائلية من أقارب لهم مقيمين في الولايات المتحدة.

لهذه الغاية الماكرة تضغط الحكومة الأمريكية على بنوك أجنبية لكي لا تستقبِل أرصدة من كوبا مصدرها هو قانوني وشريف كلياً. بالإضافة لذلك، تشجع على نشر الافتراء المثير للاشمئزاز في صحافة المافيا الإرهابية في ميامي والقائل بأنه يمكن لتلك الأرصدة أن تكون حتى على صلة بنشاطات تقوم السلطات الكوبية بمحاربتها بحزم شديد، مثل غسل الأموال وتهريب المخدرات.

- كما سبق وكشف التقرير الذي وجهته كوبا إلى الأمين العام سنة 2003[13]، يجد نظام الصحة العامة الكوبي أنه يستحيل عليه اقتناء مصادر النظائر المشعّة آي أر-192 (Ir-192) التي يتم تطبيق الإشعاعات بها في معالجات إزالة الأورام السرطانية، نظراً لإقدام شركة "فاريان ميديكال سيستيمز" (Varian Medical Systems) على اقتناء تجارة معدات العلاج عبر الإشعاع داخل جسم المريض (brachytherapy) من شركة "أم دي أس نورديونز" (MDS Nordion's)، التي كانت تزوِّد كوبا بهذه المعدّات.

أمام هذا الوضع تم البحث عن خيارات شراء معدات العلاج عبر الإشعاع داخل جسم المريض (brachytherapy) في أوروبا، فتم ابتياع أحد تلك الأجهزة من شركة "نوكليترون" (Nucletron) الهولندية. بعد إتمام العملية التجارية، أبلغت إدارة الشركة أنه ليس بوسعها تسليم جهاز الكمبيوتر المرفق به لأنه صناعة أمريكية وحكومة الولايات المتحدة تمنع تصديره إلى كوبا.

لقد شكّل انتهاك القانون الدولي وأكثر أعراف حرية التجارة أساسية أمراً ثابتاً في سياسة الحصار. وقد سعت الولايات المتحدة وما زالت تسعى اليوم كما في وقت مضى لجعل العالم يلتحق بسياسة الإبادة التي تمارسها. والحقائق الواردة في هذا الفصل تثبت إلى أي مدى يفتقد للعقلانية وإلى أي مستوى من التفاهة يصل أمر تطبيق إجراءات الحصار خارج حدود البلد الذي يفرضه.

3.        الأضرار في مجال الصحة.

منذ الانتصار الثوري في كوبا، شكّل النظام الوطني للصحة هدفاً ذا أولوية لسياسة الحصار التي تمارسها الولايات المتحدة على الجزيرة.

لقد ذهبت الجهود التي تبذلها الحكومة الكوبية في سبيل التمتع بنظام صحي مجاني وفي متناول الأيدي وأكثر حداثة وفاعلية يوماً بعد يوم محل التهديد المتواصل جرّاء القيود على اقتناء المؤن والتكنولوجيات الطبية أمريكية الصنع، وهي مؤن وتكنولوجيات فريدة من نوعها في العالم في كثير من الحالات. يضاف إلى ذلك منع الحصول على معلومات علمية طبية متقدمة ورفض منح التأشيرات لعلماء كوبيين من أجل المشاركة في محافل تقام في الولايات المتحدة، بالإضافة لرفض السماح بسفر علماء أمريكيين إلى كوبا لهداف مماثلة.

إنما هو الجهد الهائل والتفاني في العمل والكفاءة العلمية لطاقم الصحة الكوبي ما مكّن من المحافظة، بل والتحسين المتواصل، لكثير من مؤشرات العناية بالمرضى.

يأتي هذا الفصل على ذكر بعضاً من الحالات التي حدثت في موعد حديث العهد وتعكس عواقب سياسة الإبادة واللاإنسانية هذه:

- العناية بالطفل المصاب بالسرطان هي أحد المجالات الأكثر تضرراً بشكل ملموس جرّاء تدابير الحصار. فشراء العقاقير السامة للخلايا والأدوية الهامة من أجل بقاء هؤلاء الأطفال قد أصيب بأضرار جسيمة بسبب شراء الشركات الأمريكية العابرة للحدود للمختبرات الصيدلية التي كان لها عقود مع كوبا من أجل بيعها إياها.

أحد الأمثلة على ما سبق هي العراقيل التي يتم مواجهتها لشراء النظير آي-125 (I-125) لمعالجة الأطفال المصابين بالسرطان العينيّ. أمام الافتقاد لهذا العقار السام للخلايا، وجد نظام الصحة الكوبي نفسه مرغماً في بعض الأحيان على إرسال هؤلاء الأطفال إلى الخارج من أجل معالجتهم، بما يترتب عن ذلك من كلفة مالية مرتفعة جداً، بالإضافة إلى ما يتسبب به من إزعاج لذويهم.

- صعوبة أخرى تلحق الأذى بمرضى السرطان لها علاقة بالافتقاد لأعضاء اصطناعية عظمية داخلية لأورام من أجل الاستعاضة عن البتر. على سبيل المثال، في أحيان وجد فيها الأطباء أنه بالإمكان استكمال العلاج الكيميائي من الدرجة الأولى في أورام عظمية، ولاحظوا أنه نتيجة الاستجابة الجيدة من جانب المريض يمكن إجراء عملية جراحية محافظة، أي إزالة العظمة المريضة وترك عضوه، لم يتمكن هؤلاء الأطباء من فعل ذلك أمام استحالة شراء ما تسمى الأعضاء الاصطناعية الداخلية التمددية. يزيد هذا الجهاز من الحجم بقدر أخذ الطفل بالنمو، الأمر الذي يسمح عبر هذا الأسلوب بمحافظة المريض على ساقه عبر زرع عضو داخلي، وعلى هذا النحو يتم تفادي الانهيار العاطفي والنفسي الذي تعود به عمليات البتر، وخاصة بين الفتيان.

هذه المستلزمات يتم طلبها بشكل فردي ويجب أن تكون جاهزة في لحظة إجراء العملية. ولكن بما أنه لا يمكن شراؤها في الولايات المتحدة يضحي من الصعب جداً جلبها في الوقت المناسب.

- مثال آخر يعكس واحدة من الصعوبات الرئيسية التي يواجهها المجال الصحي يتمثل في استحالة تشغيل معدات طبية معينة أمريكية الصنع ويلحق بها الشلل بسبب الافتقاد لقطع الغيار. هذا هو حال أجهزة معينة من الأشعة السينية (أشعة X) التي تحتاج لبعض القطع الأساسية. لقد منعت وزارة التجارة الأمريكية الشركة الكندية الفرعية "بيكر إنترناشونال" (Picker International) من بيع هذه القطع لكوبا لأنها تحتوي على ما نسبته 27 بالمائة من المركبات الأمريكية.

- في مجال التشخيص المخبري العلاجي والميكروبيولوجيا وأخرى مشابهة، تواصلت آثار الحصار وازدادت حدة، وذلك بالنظر للحضور الغالب للشركات الأمريكية (70%) في إنتاج المعدّات والمفعِّلات التشخيصية. على سبيل المثال، لا تسمح شركات "بيكمان-كولتر" (Beckman-Coulter) و"ديد-بيهرينغ" (Dade-Behring) و"أبّوت" (Abbot) و"باير" (Bayer) ببيع تكنولوجياتها لكوبا، وبعضها هو فريد من نوعه في العالم. نتيجة ذلك، يتحتّم استيراد المستلزمات الضرورية لعمل المختبرات العلاجية من السوق الأوروبي بكلفة أعلى بكثير.

مثال حديث العهد على ذلك هو مثال الشركة الإنكليزية "أوكسويد" (OXOID)، المزوِّدة بمفعِّلات ووسائل زرع، التي أصبح المساهم الرئيسي فيها شركة صاحبة مصالح أمريكية. من خلال موزع هذه الشركة في كوبا تم طلب قائمة أسعار مجموعة من المفعِّلات الضرورية لنظام الصحة الكوبي، الأمر الذي أجابت الشركة عليه بالرفض، إذ أنه ليس بوسعها التزويد به بسبب قيود الحصار، وهو أمر كانت تقوم به حتى تلك اللحظة بدون أي عائق.

- لقد تمت مواجهة صعوبات في الحصول على وسائل تشخيص لاكتشاف بعض الأمراض الناشئة. من الأمثلة عليها يأتي:

·   عدم تمكن معهد الطب المداري "بيدرو كوريه" بعد من الحصول على حقيبة عدّة شركة "تيرمو سكريبت آر تي- بي سي آر سيستيم" (TermoScript RT-PCR System) الذي تنتجه شركة "إنفيتروجين" (INVITROGEN) للكشف عن الفيروس التاجي المسبِّب لمرض التهاب الكبد غير التقليدي، المعروف اختصاراً باسم "سارس" (SARS).

·   القيود المفروضة من جانب "مركز السيطرة على الأمراض" ("CDC" أتلانتا) الأمريكي، وسلبية المختبرات المنتجة لحقائب عدة التشخيص لاكتشاف الجسمين المضادّين للحيويّات "IgM" و"IgG"، التابعة للشركتين الأمريكتين "فوكوس تكنولوجيز" (FOCUS TECHNOLOGIES) و"بانبيو" (PANBIO)، يعرقلان اكتشاف الالتهاب الدماغي الناجم عن فيروس النيل الغربي وأنفلونزا الطيور.

- جميع البرامج المصنّفة "كتكنولوجيات متقدمة" كزرع الأعضاء والجراحة القلبية الوعائية وأمراض الكبد وغيرها، ما زالت تتعرض لأضرار جسيمة، إذ أن كثير من مركبات الأجهزة هي من صنع الولايات المتحدة. في سبيل اقتنائها يحتاج الأمر لإذن من سلطات ذلك البلد، والتي تُحجم عن منحه، أو بكل بساطة تتأخر في فعل ذلك، الأمر الذي يتسبب بأضرار هائلة بالنسبة للمرضى الذين تجري معالجتهم ضمن هذه البرامج.

- المضادات الحيوية من الجيل الأخير وغيرها من الأدوية مثل ال‍ "بروستين" (Prostin)، [وهو منتج يحافظ بشكل مؤقت على نفاذيّة الأنابيب الوريدية إلى حين التمكن من إجراء الجراحة التقويمية أو المخفِّفة عند حديثي الولادة المصابين بعيوب وعائية خلقية، والذين يعتمدون على ذلك من أجل البقاء]، يجب اقتناؤها بسعر أعلى في أسواق أبعد مسافة.

- كما لا يستطيع الأطفال الكوبيون أيضاً الاستفادة من أجهزة الاستنشاق الجديدة لأزمات الربو، إذ أن حكومة الولايات المتحدة تحرمهم من هذا الحق.

- ترتفع كلفة المطبوعات العلمية بسبب الاضطرار لشرائها في بلدان أخرى. على سبيل المثال، "Current Contents"، وهي مطبوعة أسبوعية تتضمن المحتويات الرئيسية لمجلات علمية أمريكية، يجب اقتناؤها في بلد آخر وبسعر أكثر ارتفاعاً. ذات الشيء يحدث مع مطبوعة "ANNALS OF TROPICAL MEDICINE AND PARASITOLOGY"، التي تبلغ كلفة الاشتراك بها في دار النشر الأمريكية ما يدنو عمّا يتوجب على كوبا دفعه لبلد آخر بـِ 275 دولاراً.

-   المنظمة غير الحكومية "ديسارم إدوكيشين فوند" (Disarm Education Fund) تتعاون مع كوبا في إرسال مساعدة إنسانية لمستشفيات أطفال، وتروّج لزيارات وفود طبية إلى الجزيرة من أجل إجراء تبادل مع نظراء كوبيين في تلك المستشفيات. طلبت هذه الهيئة ترخيصاً لكي يقوم الزائرون بإلقاء محاضرات أو بتدريب الأطباء الكوبيين. تم رفض هذا الطلب.

طرحت سلطات وزارة المالية الأمريكية بأن هذه الأعمال لا تعود بفائدة مباشرة على الشعب الكوبي، وأن المحاضرات والتدريب يشكلان تصديراً للخدمات إلى بلدنا.

الصندوق العالمي لمكافحة الآيدز وداء السل والملاريا التابع للأمم المتحدة يقوم بتمويل برنامج للتعاون مع كوبا من المقرر أن يتم من خلاله شراء أدوية مضادة للارتداد الفيروسي  للمرضى المصابين بالآيدز في البلاد.

في سبيل اقتناء هذه الأدوية، وجّه الصندوق العالمي تعليماته بتدبير المشتريات من خلال كل من منظمة يونيسيف و"إنترناشونال ديسبنسري أسوسييشن" (International Dispensary Association) [IDA]، انطلاقاً من الأسعار التفضيلية لهاتين الهيئتين.

غير أن الشركة الأمريكية "أبّوت" رفضت تزويد اثنين من المنتجات اللازمة لمعالجة المرضى (ريتونافير ولوبينافير+ريتونافير) [Ritonavir and Lopinavir+Ritonavir]، مدّعية أنه نظراً للعقوبات الاقتصادية الأمريكية، فإن حكومتها لا تسمح بتزويد كوبا بمنتجات. أدى هذا إلى الاضطرار لشراء الدواءين المذكورين في بلد آخر بسعر 280 ألفاً و400 دولار، أي ستة أضعاف كلفتهما البالغة 49 ألفاً و700 لو تم شرائها من شركة "أبّوت".

- منظمة "أليانس إنترناشونال" (Alliance International) غير الحكومية، من تكساس، التي تقوم بإرسال شحنات من المساعدة الإنسانية لنظام الصحة العامة الكوبي، مُنعت من إرسال مجموعة من المؤن والمعدات ذات الحاجة الأساسية في المستشفيات الوطنية في كوبا. فقد تم في الإجازة المنع الصريح لإرسال معدات تعقيم الأدوات الجراحية ومعدات الأشعة السينية وجهاز نابذ لل‍ (microhematocrito).

- تم في مناسبات متكررة وضع عراقيل أمام مشاركة مسؤولين وعلماء كوبيين في اجتماعات ومحافل دولية تقام في الولايات المتحدة، وذلك برفض منحهم تأشيرة الدخول. هذا ما كان عليه حال الدكتورة ماريّا ألفونسو فالديس، التي كان يفترض أن تشارك في دورة تدريبية في "ال‍ باسو"، تكساس، نظمتها منظمة الصحة عبر الأمريكية حول "الدم الموثوق".